البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٣٥

ابن عطاء والحسن البصري من قبل لأن المعتزلة يعتبرونه من طبقاتهم ويتجلى موقفهم في هذه المحاور التي دارت بين عمرو بن عبيد وأبي عمرو بن العلاء النحوي.(1)

إن أبا عمرو بن العلاء النحوي المعروف بالقرآن وإعرابه، التقى مع عمرو ابن عبيد المعتزلي فقال له: يا أبا عثمان، ما شيء بلغني عنك في الوعيد؟ فقال له: يا أبا عمرو، إن الله وعد وعدا وأوعد وعيدا، فالله منجز وعده ووعيده. فقال يا أبا عثمان، إن الله وعد وعدا وأوعد وعيدا فالله منجز وعده ومؤخر وعيده، أما تعلم أن العرب لا تعد ترك الوعيد ذما، وإنما تعده تكرما، وفضلا أما سمعت الذي يقول: (طويل)

ولا يخشى ابن العم ما عشت صولتي

= ولا أنا أخشى صولة المتمرد

وإني وإن أوعدته ووعدته

= لمخلف إيعادي ومنجز وعدي

فقال هؤلاء العرب يمتدحون بخلف الوعيد وإنجاز الوعد، ويرون أن هذا تكرم وفضل.

فقال عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو، وشغلك الإعراب عن الصواب؟ أما سمعت أن الذي يقول شعرا: (بسيط).

إن أبا خالد لمعتدل الرأي

= كريم الأفعال والبيت

لا يخلف الوعد والوعيد ولا

= يبيت من قراه على فوت

فهذا ممدوح على هذه الصفة، إذ لا يخلف وعده، ولا ما توعد به، والله تعالى أصدق القائلين. وقد قال: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا قالوا نعم) (7 الأعراف44) وقال: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) (50 ق 29) وقال: (لا تبديل لكلمات الله).

(1) والمعتزلة لقبوا بالوعيدية لقولهم بإنفاذ الوعيد. ر. القاضيس عبد الجبار: الأصول الخمسة: 611 - 672.

٥٣٥ / ٩١٨