البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٣٩

لقد كانت هذه القضية مثار جدل من زمن مبكر فهذا ابن عباس يعتبر أن المعاصي من الكبائر باعتبار عظمة من يعصي.(1)

وعلى هذا الأساس بني الأزارقة موقفهم كما يذكر عنهم، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك واعتبروا أن كل عصيان شرك، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (6 الأنعام 121).(2)

وما قعد عبدالله بن إباض منذ إجتماع صومعة البصرة عن هؤلاء إلا لمخالفتهم في الحكم بالشرك على جميع المسلمين واستحلال دمائهم وسبي ذراريهم وغنم متاعهم.(3)

ومن ذلك الحين اتضح لدى الإباضية عدم الخلط بين الشرك وبين بقية الذنوب فماذا عن المعاصي؟ وهل يترتب عليها دائما نفس الحكم؟

إن المتأمل في كتاب الله تعالى مثل قوله عز وجل: (إن اله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (4 النساء48) ومثل قوله: (إن تتجنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (4 النساء31) ومثل قوله: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) (53 النجم32) وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل الحديث المذكور أعلاه في شأن اللذين يعذب أحدهما من أجل إهمال الاستبراء والآخر من أجل ما كان يأتيه من النميمة بين الناس(4)

، وفي كتب الأصول والفقه يتبين بوضوح أن الذنوب تتفاوت

(1) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 110 وجه

(2) ر. عثمان بن خليفة السوفي: رسالة الفرق ط. حجرية د. ت: 6122

(3) انظر ما سبق: 21 - 22

(4) انظر ما سبق: 531. وجاء في حاشية عبدالله السدويكشي على كتاب الإيضاح ما يلي: قال العلماء وما يعذبان في كبير، أي في ظنهما، أو كبير تركه عليهما، أو عند الناس وإن كان كبيرا عند الله، وبه يبطل ما توهم أن النميمة ليست من الكبائر والله أعلم. عامر الشماخي: كتاب الإيضاح، تحقيق لجنة من الأساتذة، مطبعة الوطن بيروت 1390/ 1970، ط 2. 1/ 9. وقد أورد الإيجي هذا الحديث للتدليل على عذاب القبر كما يلي:" مر عليه السلام بقبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير بل لأن أحدهما كان لا يستبرئ من البول، وأما الثاني فكان يمشي بالنميمة". ولم يشر إلى أن المعصية من الكبائر أو الصغائر. الايجي: المواقف: 2/ 452

٥٣٩ / ٩١٨