البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٦٦

وأجيب بأنه لا نزاع في وجوب الثواب على الطاعة لكن ذلك بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية … فهو سبحانه وتعالى يقبل توبة التائب تفضلا منه ووفاء بوعده ويثيب المطيع تفضلا منه، ووفاء بوعده والله أعلم"(1).

ويقول أيضا:" … أهل الاستقامة يقولون إن التعذيب بعدل الله والثواب بفضله والمعتزلة يقولون بوجوب ذلك عليه، تعالى عن ذلك بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين"(2).

فالمهم حينئذ أن موقف الإباضية جاء موقفا ذاتيا مستفيدا من هذا وذاك دون أن يكون تابعا تبعية مطلقة لأي طرف، فهم يرون أن الثواب واجب وجوب حكمة تتناسق والعدل الإلهي، فالله يوجب على نفسه ما يشاء دون أن يوجب عليه أحد، وعبر الأشاعرة عن ذلك بقولهم إنه يمكن أن يعكس فيعاقب المحسن ويثيب المسيء، وفي موقفهم رد عنيف على المعتزلة، كما أن الإباضية ألحوا إلحاحا كبيرا على جانب الفضل والرحمة وهذا هو الموقف المستقر في الفكر الإباضي عبر القرون (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) (24 النور 21) لأن عمل الإنسان مهما كان لا يمكن أن يعادل ما يتمتع به من نعم، فالثواب حينئذ في مستوى صلته بعمل الإنسان الموفي أقرب إلى الوجود لارتباط النتيجة بالسبب، وفي مستوى صلته بالمثيب إنما هو تفضل ورحمة لأن الله غني عن العالمين.

وعلى هذا ينبني موقف الإباضية من قبول التوبة.

(1) عبدالله السالمي: المعارج. مطابع سجل العرب، عمان، نشر وزارة التراث القومي 1/ 174

(2) عبدالله السالمي: المشارق: 294. وقد عبر امحمد اطفيش عن نفس المعنى ر. تيسير التفسير ط 2، 2/ 482 وكذلك ط 2، 2/ 141.

٥٦٦ / ٩١٨