البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٩٢

ويقول محمد اطفيش:" الاستفهام إنكاري فهو نفي بدليل إلا أي انتفى لعظم شأنه تعالى وكبريائه أن يخلص أحدا غيره منه تعالى بتوسل وخضوع إليه فكيف يخلصه عنادا أو محاربة إلا بأن يأذن له بالشفاعة … الآية مخبرة أنه لا شفاعة لأحد عنده إلا بإذنه وإنما يشفع الأنبياء والمؤمنون.

(وعنده) متعلق بشفيع أو بمحذوف حال من ضمير يشفع والمعنى على الأول: من ذا الذي يوقع عنده الشفاعة وعلى الثاني من ذا الذي يشفع حال كونه قريبا إليه تعالى عن النسب، وقرب المسافة وهذا أقوى فإنه إ ذا كان لا يشفع أحد عنده بأمر من الأمور إلا بإذنه أو بمحذوف حال من المستتر فيه أي لا يشفع في حال إلا ثابتا بإذن الله"(1).

(1) امحمد اطفيش: هيمان الزاد ط 2: 3/ 355.

ويتبنى محمد عبده نفس الموقف حيث يقول] من ذا الذي يشفع عنده [منهم فيحمله على ترك مقتضى ما مضت به سنته، وقضت به حكمته وأوعدت به شريعته، ومن تعذيب من دسى نفسه بالعقائد الباطلة، ودنسها بالأخلاق السافلة، وأفسد في الأرض وأعرض عن السنة والفرض، من ذا الذي يقدم على هذا من عبيده إلا بإذنه والأمر كله له صورة وحقيقة، وليس هذا الاستثناء نصا في أن الإذن سيقع، وإنما هو كقوله:] يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه [(11 هود 105) فهو تمثيل لانفراده بالسلطان والملك في ذلك اليوم:] يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله [(82 الانفطار 19) ولهذا قال البضاوي في تفسير الجملة بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه ويستقبل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبه.

وقال الاستاذ الإمام ما محصلة: إن في هذا الاستثناء قطعا لأمل الشافعين والمتكلمين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب عامة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جرأة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه وإذنه غير معروف لأحد من خلقه. تفسير المنار: 3/ 30: 3/ 30 - 31 راجع في هذا الشأن القرطبي: أحكام القرآن 3/ 275 والطاهر ابن عاشور: التحرير والتنوير: 3/ 21. وكل منها يوسع في إذن الله تعالى اعتمادا على نصوص من الحديث.

٦٩٢ / ٩١٨