البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧٠٤

واضح أن القضية لم تقع الإشارة إليها إلا عرضا في نصوص القرون المعنية بالدرس ولكن مدار النقاش حول خلود أهل الكبائر غير التائبين أو عدم خلودهم وذلك لأن الإباضية يعيشون في محيط أشعري يرميهم بالابتداع في هذا الشأن وهم يحاولون الدفاع عن موقفهم والتمسك بأقوال سلفهم.

ثم إلى جانب هذا تثير كتب أصول الدين قضية وثيقة الصلة بالوعيد والخلود واصطلح على تسميتها بالورود انطلاقا من استعمال مشتقات هذه الصيغة في عديد من الآيات.

ورود النار:

جاء في لسان العرب عن ابن سيده: ورد الماء وغيره وردا وورودا وورد عليه: أشرف عليه، دخله أو لم يدخله وعن الجوهري: ورد فلان ورودا: حضر.

هذا ما جاء تقريبا من المعاني اللغوية إلا أن ابن منظور توغل في التفسير العقائدي أكثر من الشرح اللغوي(1).

(1) نرى من الصالح إيراد هذه الشروح فهي لغوية عقائدية: وقوله تعالى:] وإن منكم إلا واردها [(19 مريم 71) فسره ثعلب فقال: يردونها مع الكفار ولا يدخلها المسلمون، والدليل على ذلك قوله عز وجل:] إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون [(21 الأنبياء101) وقال الزجاج: هذه آية كثر اختلاف المفسرين فيها، وحكى كثير من الناس أن الخلق جميعا يردون النار فينجو المتقي ويترك الظالم، وكلهم يدخلها.

والورود خلاف الصدر. وقال بعضهم: قد علمنا الورود ولم نعلم الصدور، ودليل من قال هذا قوله تعالى:] ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا [(19 مريم72) وقال قوم: الخلق يردونها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما. وقال ابن مسعود والحسن وقتادة: إن ورودها ليس دخولها وحجتهم في ذلك قوية جدا لأن العرب تقول: وردنا ماء كذا ولم يدخلوه. قال الله عز وجل:] ولما ورد ماء ماء مدين [(28القصص23) ويقال:" إذا بلغت إلى البلد ولم تدخله: قد وردت بلد كذا وكذا.

قال أبو اسحاق: والحجة قاطعة عندي في هذا ما قال الله تعالى:] إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها [(21 الأنبياء 101) قال: فهذا، والله أعلم دليل على أن أهل الحسنى لا يدخلون النار. وفي اللغة ورد بلد كذا وماء كذا إذا أشرف عليه دخله أو لم يدخله قال: فالورود بالإجماع ليس بدخول. ابن منظور: لسان العرب: مادة ورد

٧٠٤ / ٩١٨