البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧٥٥

ذلك أن الإيمان مطية للمعاصي لا للطاعات واجتناب المعاصي. ويحيى بن معاذ نفسه لما أحس بأن في المعادلتين كلاما ختم بالاستناد الى رجاء العفو، وهذا باب فيه نظر.

صحيح أن الله تعالى عفو- يحب العفو- لكنه بين في القرآن الكريم شروط العفو والغفران. ولا ينبغي أن ينقلب الاتكال على العفو سبيلا من سبل انتهاك حرمات الله تعالى، وهذا ما استند إليه أهل الكتاب الى جانب تعويلهم على انهم شعب الله المختار وقد رد عليهم القرآن الكريم بشدة، وبين أن قولهم بعدم الخلود من باب الأماني التي يستحيل أن تتحقق.

ويقول ابن عاشور في هذا الصدد:" ووجه المناسبة أن قولهم لن تمسنا النار دل على اعتقاد مقرر في نفوسهم يشيعونه بين الناس بألسنتهم قد أنبأ بغرور عظيم من شأنه أن يقدمهم على تلك الجريمة أو غيرها إذ هم قد أمنوا من المؤاخذة إلا أياما معدودة تعادل أيام عبادة العجل، أو أياما عن كل ألف سنة من العالم اليوم وأن ذلك عذاب مكتوب على جميعهم فهم لا يتوقون الإقدام على المعاصي لأجل ذلك"(1).

واضح من خلال هذا النص أن اعتقاد عدم الخلود غرور عظيم يجعل الإنسان لا يتوقى الإقدام على المعاصي مهما كانت.

ونحن نتساءل لم يعتبر نفس الاعتقاد دافعا الى العصيان عند أمة ولا ينظر إليه بنفس الاعتبار عند أمة أخرى مع العلم باشتراكها في عقيدة الإيمان بالله تعالى(2).

(1) الطاهر ابن عاشور: التحرير والتنوير: 1/ 579

(2) ومعلوم أن بني إسرائيل قبل إنكارهم لنبوة عيسى ومحمد عليهما السلام كانوا على حق.

٧٥٥ / ٩١٨