البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧٥٤

في النهاية فلا سبيل الى أن يرتدع أمام الزواجر وتصير النواهي عنده غير مختلفة عن الأوامر.

المستوى العلمي:

إن القائلين بإخلاف الوعيد وبعدم الخلود يمكن أن يتلخص تبرير موقفهم في قول يحيى بن معاذ الرازي(1):" إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة. إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي وإلا فالكفر أعظم من الإيمان. فإن يكن كذلك فلا أقل من رجاء العفو"(2).

فواضح أن يحيى بن معاذ انطلق من معادلة بين طرفين متناقضين دون أن ينبه إلى الفارق الأساسي بين هذين الطرفين ويتمثل في الأول الذي جاء تائبا بحق وقد عاجلته المنية، ومعلوم أن الإسلام يجب ما قبله بينما الطرف الثاني فإنه قد انحرف عن التوحيد واستمرأ المعصية، ولم يبادر الى التوبة حال عصيانه وقد عاجلته المنية وهو بعيد عن الإيمان إذ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.

فتبرير يحيى بن معاذ وإن بدا مقنعا في اللحظة الأولى فإن المتأمل بين فساده.

وأما التبرير الثاني أقيم على المعادلة بين الإيمان والكفر وبما أنه لا تنفع مع الكفر طاعة فالعدل يقتضي أن لا تضر مع الإيمان معصية معنى

(1) يحيى بن معاذ الرازي (258/ 872) واعظ، زاهد من أهل الري. ر. الزركلي: الأعلام: 9/ 218

(2) ر. الرازي: التفسير الكبير: 3/ 160 وقد علق بقوله " وهو كلام حسن".

٧٥٤ / ٩١٨