البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧٦٠

ومما بين حسن أثر هذه العقيدة عند الإباضية القاعدة التي يقوم عليها فقه العبادات والمعاملات والسلوك عندهم وهي ما يسمونه بالأخذ والأحوط ويعتبره غيرهم من باب التشدد والغلو في الدين.

ففي باب العبادات أكتفى بذكر ثلاثة أمثلة من الطهارة في الصلاة والصوم ومن الزكاة.

أما في شأن الطهارة للصلاة فحالما رأوا نصوص القرآن التي تمدح المتطهرين والوعيد بعذاب القبر لمن لا يستبرئ من البول وفي ذلك إشارة الى عذاب النار في ما بعد أوجبوا الجمع بين التنشيف والغسل(1).

وأنت إذا دخلت ميضآت المساجد الإباضية تحس بهذا التحري فهم يخصصون مواطن لقضاء الحاجة لا يوفرون فيها إلا الورق أو ما يقوم مقامه للتنشيف والتحري فيه(2)، كما يوفرون مواطن للاستنجاء بالماء، ثم أما كن ثالثة للوضوء الأصغر، ولا ترى أحدا منهم يخلط في الاستعمال بين هذه الأماكن كما ترى عند غيرهم ممن لا يرون بأسا بالاكتفاء بالماء حيث يستنجئون في الأماكن المخصصة للوضوء الأصغر. كل هذا الاحتياط لأن الإباضية اعتقدوا ألا خلف في الوعيد وما دام النص واضحا في توعد من لا يستبرئ من البول فليكن الاحتياط على ذلك الشكل.

أما في شأن اعتبار الطهارة الكبرى شرطا من شروط الصوم فهم يرفضون الموقف الذي ينسب الى الرسول عليه السلام أنه اغتسل في رمضان بعد طلوع الفجر ويقرون حديثا آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم:" من أصبح جنبا أصبح مفطرا"(3) وحتى في حالة صحة ورود الخبر الأول العملي فالخبر

(1) ر. عامر الشماخي: كتاب الإيضاح: 1/ 29 - 46

(2) باستثناء الميضآت في المواطن التي يختلطون فيها بغيرهم فإنهم يوفرون الماء

(3) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: 1/ 63 عدد 315. لم يرد في معجم ونسنك.

٧٦٠ / ٩١٨