الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٦٣وإنما يلح الإباضية على ألا ترجح كفة على أخرى، ونصوص العقيدة تلح كثيرا على التعادل بين الخوف والرجاء لأنه إن رجحت كفة الخوف يتحول الأمر كثيرا الى اليأس مما يورث التحدي والعناد وإن رجحت كفة الرجاء فإن ذلك يؤدي الى الانحلال والتواكل ولهذا جاءت المعادلة واضحة بين القول بالخلود في الجنة وفي النار.
وأكاد أقول إن ما نلاحظه من الاحتراز الكامل في مواقف الإباضية فيه شيء من الرهان الرابح لا محالة(1) ذاك أنه إن صح القبول بعدم الخلود في علم الله والله يفعل ما يشاء فلن يخسر الإباضي آخرته، وإن صح الخلود فالإباضي رابح لا محالة بينما يندم من قال بعكسه حيث لا ينفع الندم.
وفي خاتمة هذا التحليل يحسن أن ننبه إلى تنبيهين أولهما الترابط الوثيق بين الأسس العقائدية فقول الإباضية بإنفاذ الوعيد مرتبط ارتباطا جوهريا بقولهم إن الإيمان عقيدة وقول وعمل وبتحريهم في مبدأ الولاية والبراءة.
وثانيهما أننا حاولنا بقدر الإمكان أن نلح على بيان الحكمة من القول بإنفاذ الوعيد وبالخلود رغم أن المصادر الإباضية لم تلح على إبراز البعد الحضاري لهذه القضية بصفة مباشرة، وغنما الواقع العلمي المعاش أثبت الصلة الوثيقة بين الأسس العقائدية وبين الحياة العملية وذلك الغرض الأسمى للعقيدة الإسلامية حيث لا تبقى النصوص حبرا على ورق فتتحول الى حيز التطبيق وفعلا فقد بدا لأثر العقيدة الإباضية واضحا في أوساطهم عندما كان الناس يخضعون لسلطان العقيدة وما يزال هذا الأثر واضحا في وادي ميزاب وإن انخرم في بقية الأوساط الإباضية بالمغرب.
(1) يقول فتح بن نوح الملوشائي في نونيته في هذا المعنى ما يلي: (طويل)
فيا ليت ما فاهت به لهواتعم
صحيح لكنا أسعد الناس بالأمن
كما يقول جميل بن خميس السعدي ما يلي:" يا ليت الذي قالوه (المرجئة من أن الإيمان قول ولا تضر معه معصية) حقا فنكون ممن سعد به ولا يضرنا خلافهم." قاموس الشريعة: 6/ 48 نقلا عن شرح النونية للجيطالي.