البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧٦٢

بقي أن ننبه إلى أثر هذه العقيدة في مستوى التعامل المادي والأخلاقي إذ من يعتقد أن القليل من متاع الناس يورث الخلود في النار لا يمكن أن يقبل على أخذه وإن غلبت عليه شهوته سرعان ما يبادر الى إرجاع الحق الى أهله بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وتجار الإباضية مشهورون بمحافظتهم على أمانات الناس(1) إذ تجد ودائع أهل الحي غالبا محفوظة عندهم(2).

لست بهذا التحليل أدعي أن الأوساط الإباضية خالية من الإنحارف بل إن انحراف البعض منهم يتجاوز الحد، لكنه ينتهك عن علم لا عن جهل وإن كان إثم هؤلاء أكثر إلا أن توبتهم تكون نصوحا في ما بعد، وكأن في ذلك التصرف نوعا من الانفجار كثيرا ما يورث في أصحابه ندما وإنابة يؤديان الى تفان بعد ذلك في العبادة. لكن كل ذلك يبقى عصيانا ذاتيا لا يتسرب شره الى المجتمع الذي يصونه نظام الولاية والبراءة(3) المنبثق عن العقائد الأصولية لتذكير الناس بالزجر الإلهي عندما ينعدم السلطان الذي يقيم الحد ويذكر الناس بعظمة الله عند الغفلة عنها.

وبهذا نتبين أن لقوانين الزجر تأثيرا كبيرا في حياة الناس ذلك أن النفوس البشرية متفاوتة في مدى قدرتها على الالتزام ولكن لا يكون الزجر زجرا إلا إذا كان حادا. وأكبر دليل على ذلك ما أقره الشرع من الحدود وهذا مكمل لمفهوم الوعيد والعذاب الذي ينتظر من يعرض عن ذكر الله تعالى ليس معنى ذلك أن جانب الرحمة معدوم من الشريعة في المفهوم الإباضي

(1) التجار بغانة وإسلام أهلها ر. الدرجيني: الطبقات: 2/ 517

(2) ليس معنا هذا أن هذه القيم فقدت في البيئات التي لا تعتقد الخلود.

(3) وعن موضوع الولاية والبراءة ر. النامي: الأطروحة: 331 - 396 وهو باب من الأبواب الأساسية فيها. وتجد فيه الإحالة على جميع المصادر. ر. بحثنا نظام العزابة: 98 - 112

٧٦٢ / ٩١٨