الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٦٩موحيا بأن لله عينا ويدا وما إلى ذلك من الجوارح، وفعلا فقد فهم الإباضية من يومهم الأول أن القرآن الكريم لو حمل على ظاهره في مثل هذه المفاهيم لتناقض، وأنى لكتاب الله أن يتناقض، فعكفوا على كتاب الله تعالى وعلى الحديث الشريف وعلى ما في اللغة من مجاز وأقروا تفاسير واضحة لكل هذه المفاهيمن وكان محط الثقل خاصة عند قضيتي الاستواء ونفي الرؤية فجاء الاستواء بمعنى الأمر والسلطان ولهم في ذلك من الأدلة الكثير نقلا وعقلا أما الرؤية فأساس البحث فيها أن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وقد مكنهم موقفهم الدفاعي ضد من يرون أن الاستواء كاستواء الأمير على السرير أو ينهون عن السؤال عن الكيفية أو يرون إمكانية الرؤية في الدنيا أو في الآخرة من جولات موسعة في أساليب اللغة وفنون البلاغة مع من رأوا رأيهم من المعتزلة أثرت التراث الإسلامي أيما إثراء.
والمدار هنا يتمثل في أنه كان أولى بالفرق الإسلامية أن تتفهم مواقف بعضها البعض حتى لا يسفر ذلك عن بغضاء وعداوة وإن كانت هذه العداوة سببا من أسباب الحرص على البحث والتحليل لأن روح الإخاء هو الآخر له من المزايا ما لا يحصى، حيث يجعل الأطراف المتعايشة تسعى الى إقامة أخوة إسلامية صادقة بدلا عن التنابز بألقاب مثل أهل البدعة أو كفار النعمة أو ما إلى ذلك لا لشيء إلا من أجل خلاف لجمد الفكري الإسلامي من زمان، وكأني بالمتشابه في القرآن الكريم حافز من حوافز إعمال الفكر، ومعلوم أن إعمال الفكر لا يمكن أن يفضي المتأول في تأويله وإن كانت أحكامهم في بعض الأحيان قاسية على هؤلاء سواء أكانوا من غير الإباضية أو من الإباضية أما المستحلون لحرمات الله فما أظن أن المسلمين يختلفون في إيقافهم عند حدهم واستتابتهم قبل اتخاذ الموقف النهائي في شأنهم.
ومهما يكن من أمر في شأن الاستواء والرؤية فإن الخلاف بين المسلمين بقي نظريا بالنسبة الى ما عرف عن محنة خلق القرآن وإن لم