البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧٦٨

من اكبر عوامل إثراء المكتبة الإسلامية، وللإباضية دور لا يستهان به في هذا الميدان، ذلك لنهم لم يسلكوا مسلك التفويض أو مسلك الاكتفاء بالظاهر بل أقاموا تحاليلهم على التأويل ومعلوم ما في هذا المسلك من سبل الاجتهاد والبحث والتنقيب في كتاب الله تعالى وفي السنة وفي التراث الأدبي عامة.

ولم يكن غرضهم من هذا التأويل تشويه العقيدة الإسلامية بل كانوا حريصين كل الحرص على تحري النصوص المحكمة إن توفرت قبل الغوص في الاستنباط والاستنتاج.

وفعلا فقد كان الأساس الذي أقاموا عليه فهم المحكم هو نفسه في فهم المتشابه إلا وهو الحرص على تنزيه الله تعالى.

أنا في نطاق المحكم فقد برهنوا على وجود الله تعالى نقلا وعقلا، وألحوا على تنزيه البارئ في اعتبار الصفات عين الذات حتى اتهمهم غيرهم بالتعطيل إلا أن ذلك كان رغبة منهم في نفي تعدد القدماء.

وكم وددنا لو ألحت نصوص العقيدة عند الإباضية وغيرهم على قيمة التحلي بأسماء الله الحسنى عوض الغوص في متاهات لا طائل من ورائها، مثل علاقة الاسم بالمسمى وما تولد عنها من تنافر داخل الإباضية أنفسهم. وكان اولى لو اجتهد هؤلاء العلماء وهم قادرون على ذلك، في توظيف دروس العقيدة لمصلحة المسلمين مثل التوسع في إبراز عظمة الله وقدرته من خلال أسمائه وصفاته، وهم عارفون من البداية أن العجز عن إدراكه إدراك فكان أحسن لو صبغت نصوص العقيدة بصبغة وعظية عملية تحول مجرى حياة المسلمين الى محبة وانسجام وذوبان في طاعة الواحد الديان لكن الباحث يفهم العوامل التي دفعت هؤلاء الى مثل هذه المباحث وأهمها رغبتهم في نفي التشبيه والتجسيم عن البارئ عز وجل.

وهذا يتجلى بصفة أوضح عند الإباضية في إلحاحهم على التنزيه مع النصوص المتشابهة خاصة في ما جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف

٧٦٨ / ٩١٨