الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٧٢ولم يستقر هذا بصفة نهائية إلا بعد أن تناست الأجيال ما جد من خلاف بين أهل جبل نفوسة وبقية أهل المغرب في ما يتعلق بالجبل والاختيار.
واستقر الوضع على مفهوم الكسب مع بلورة مفهوم الإرادة والاستطاعة والعون والخذلان.
والمهم في كل هذا أن الإباضية بم يجدوا الإنسان من المسؤولية وهذا لعمري أساسي في مثل هذا المبحث الكلامي وإن بدا لبعض الباحثين أن الكسب تعبير مقنع عن الجبر.
والحقيقة في ما نرى ليست كذلك وإنما القول بالكسب شعور من الإنسان أنه مسؤول أمام مشيئة الله التي لا تحد، والفرق كبير بين من يصرح بأنه مجبر ويحمل مسؤولية جميع أعماله على الله تعالى فيفعل ما يطيب له وبين من يعتبر أن كل عمل هو من كسبه وأن له دورا فيه سيحاسب عليه بين يدي الله.
والحقيقة أن فلسفة مثل هذا المبحث، والبعد به من دائرة الإيمان الى دائرة العقل المجرد أدت علماء الكلام الى الوقوع في متاهات نتيجة التأثر بتحليلات يونانية وفارسية تختلف عن الفكر الإسلامي من منطلقها.
والجدير بالملاحظة هنا انه على المسلم المؤمن بالقضاء أن يؤمن إيمانا راسخا أن هذا الإيمان لا يزيده إلا ثقة في الله تعالى ومضيا في فعل الخير الأمر الذي يعود على الأمة الإسلامية بالخير.
ومثل هذا الإيمان الراسخ هو الذي عرفه أصحاب الرسول عليه السلام، ففتح الله على أيديهم أطراف العالم، والحقيقة أن العقل مهما تمرد فإنه يركع خاشعا أمام عظمة الله التي لا تحد فإذا استكبر ونأى فإنه يجني مرارة استكباره بعد حين ويبقى مدركا أنه لن يستطيع إزاحة الستار عن كل الحقائق الكونية فكيف بعالم الغيب!.