المجلد الأول الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٣وإنما أنكرنا على المرجئة خصلتين: البدعة والإصرار، فمن التزمهما صار من أهل النار، ومن سلم منهما فهو في مشيئة الكريم الغفار، ولن يليق بحكمة الباري سبحانه مسامحة من عاند وأبى ودان بخلاف دين الله العزيز الحكيم.
ومن أصر واستكبر وتمادى وعثى وبغى وطغى، حتى أتى عليه المنون بالخبر اليقين والحق المبين وقد قال: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد). فأيأسهم من تبديل الوعيد.
فإن قال قائل: فلم أطلقتم عليهم اسم كافر حين أتوا شيئا من الكبائر، وقد كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأتون الكبائر ولا يسمون بهذا الاسم، فما عبتم على الخوارج الذين يسمون أهل المعاصي باسم الشرك.
قلنا: لما كانت الكبائر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مستخفى بها من منافق أو مؤمن فلتة، أو عن عمد فتاب، أو ذات حد فأقيم الحد عليه فصار مغفورا له، فلما كان في هذا الزمان الذي ظهرت فيه المعاصي والكبائر وطاعة الجبابرة معلنين يتبجحون بها على رؤوس العالمين، فطاعة الجبابرة عندهم لآثر من طاعة الرحمن، ومعصية الرحمن أوهن عندهم من معصية الجبابرة، ففاقت المعاصي المعهودة الخفية، وأربت على المعاصي ذوات الحدود المغفورة، سميناهم كفرة، ولم تبلغ بهم تسمية الخوارج المارقة، باستعمالهم السبي والغنيمة في إخوانهم الموحدين، وأطلقنا عليهم اسم الكفر وأردفناه بالنفاق.
وإن كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه سئل غنهم فقيل له: هل هم منافقون؟
قال: لا ولكنهم كفروا بينا، لأن النفاق عند حذيفة ما كان مستورا من المعاصى.