المجلد الأول الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٤أما إخواننا القدرية، فإنهم عموا عن الكفر وعمشوا عن النفاق وأطلقوا سم الفسوق وقضوا حاجة حين قضوا عليهم بجميع أحكام أهل النار، ونفوهم من جميع أسماء الأخبار وأحكام المؤمنين الأبرار، فاحتملنا جهلهم فيهم وغلطهم فيهم إذ نفوا عنهم اسم الكفر واسم النفاق، وقضوا حاجة حين سموهم فساقا وأثبتوا لهم الخلود في النار، وأصابوا إذ لم يرموهم بالشرك كالخوارج.
فأما إخواننا المرجئة، فإنهم نظروا إلى أنفسهم لا غنى لهم عن المعصية ولا صبر دونها وقد تنغصت عليهم بالوعيد الشديد والخلود في النار يوم الخلود، عمدوا إلى ما أنزل الله تعالى على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) أول مرة في دعائه المشركين الجاهلين إلى الدخول في الإسلام، والباب الذي فتح لهم من الإيمان، وعظم ما وعد الله للداخلين في الإيمان من الثواب الجزيل والأجر الجليل استصلاحا لعباده وتسهيلا لهم في الدخول في الإسلام، وترغيبا لهم في عظيم الثواب، فلما دخلوا في الإسلام وتمكن في قلوبهم الإيمان خاطبهم وقال: (ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين). ثم عقبوا إلى الوعيد الذي عقب به الباري سبحانه في آخرية الإسلام على المعاصي والذنوب وأبطلوه ولاشوه (ويوم القيامة ترى الذي كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) فاحولت أعينهم عمدوا إلى الناسخ فأبطلوه، ورضوا بالمنسوخ وقبلوه، وارتاحت أنفسهم بالخروج من النار تسليا وتوليا بعد قول الله – عز وجل – حكاية عن اليهود (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). ائتموا بإخوانهم اليهود …
وأما الخوارج فحسبهم قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فتنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى