المجلد الأول الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٣لكن المرجئة أغرقت بالمعاصي طلابها، وسهلت إلى الشهوات أسبابا وفترت النفوس عن الطاعة، باستغناء الناس عنها بقول: لا إله إلا الله. فلم يدعوا شيئا يوجب عمل الطاعة إلا أوهنوه حتى قالوا: أمة أحمد لا تعرض على النار.
فأين الخوف والرجاء والعمل والتقى مع هذا؟ فلهذا لعنهم رسول الله عليه السلام، ولعنهم سبعون نبيا ممن ابتلوا بهم ونسوا ما ذكروا به من قبل، قال الله - عز وجل -: (ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون). ما على أمة أحمد عليه السلام أضر منهم ولا لإبليس أعون فيهم، ولا للآخرة أجهل منهم سحقا بهم وسحقا.
وأما القدرية فأنهم ناهبوا الله - عز وجل - في أفضل خلقه ورموا الشركة بينهم وبين ربهم، فله خلق ولهم خلق، غير أنهم حازوا أفضل الأشياء لأنفسهم وهو التوحيد والإسلام والإيمان، وتركوه وأفعال البهائم والأنعام وسائر الأعراض والأجسام، ونقضوا قول الله تعالى: (هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض).
فقالت القدرية: لا أحد إلا نحن، وهؤلاء وإخوانهم من المرجئة ممن لعنهم الأنبياء، وكل نبي مجاب الدعوة.
وذلك أن الأنبياء يدعون عباد الله إلى الله - عز وجل - ترغيبا وترهيبا، من بلغ في الإجابة إلى دينهم، وبلغ في العبادة إلى غاية ما نظر إلى نفسه بعين الإجلال، واقتداره على مثل هذه الأفعال فقال: إن الله تعالى بريء من الظلم، ولم يعذب أحدا إلا على فعله، ولا يرجوه أحد إلا على فعله. فنسبوا الأفعال إلى أنفسهم، إذ لا تصح الشركة في فعل أحد.
ولو نسبت إلى الله تعالى، لكان قد عذبهم على ما لم يفعلوا وهو يقول: جزاء بما كانوا يعملون، ويفعلون، فردوها إلى أنفسهم دونه.