الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الأول الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٧

وإن كان أول ما ابتدأ لموسى بالخطاب بلغة البربر حين ناجاه. فقال: يا موسى نج أد يكش مقرن. فقال: يا ربي لم أدر فمازال يخاطبه بلغة بعد لغة، فكان آخر ما خاطبه به بالعبرانية فهم موسى وأجاب. وليس في اللغات لغة انفردت من سائر اللغات بالوشي الذي جعله الله تعالى زينا لها في الظاهر وكثرة المعاني في الباطن وحلوة على الألسن غيرها، فاختار لها العرب واختارها للعرب مخصوصة في العرب، خصهم الله تعالى بها.

وذلك أن الإنسان خلقه الله تعالى فجعله آية للسائلين، وخلق الملائكة فركبها على طبع واحد، لا يؤثر الزمان ولا المكان في طبائعهم ليس لهم شهوات إلا ما طبعوا عليه، وركب فيهم العقول فكانت تمتثل الأفعال بمقتضى العقول، وذلك وفق طبائعهم.

ثم خلق البهائم وحوجها إلى الغذاء وركب فيها الشهوات، فكانت حركاتها بمقتضى شهواتها، فأسقط عنها التكليف لعدم العقول، وغلبة الشهوات.

ثم خلق الإنسان على خلقة البهائم في الغذاء والشهوات وعلى خلقة الملائكة في المعارف والمعقولات، فهو أبدا في جهاد دائم وحرب قائم بين الشهوات والعقل وفي الترك والفعل.

ثم إن الله تعالى وهب لبني آدم الدنيا، وأمر بها لهم، وأخصبها عليهم، فغدوا ونشأوا في اللذات التي هي أضداد العقول، فهم يتقلبون في ظلال البيوت والقصور، وفي أصناف الثياب والحرير تحت ثمار الأشجار والأنهار ولذات الطعام والشراب ونكاح الأبكار والأتراب، في أمن ودعة وراحة وسعة يتفكهون بحوادث الأخبار، فهم في طول دهرهم في تنعيم أجسامهم وتوطية أبدانهم، فقوي سلطان الشهوة، ووقع سلطان العقل، فرجع العقل في خدمة الشهوة، فصار المالك مملوكا والمملوك مالكا، فليس لهم إلا ما أبصروا بأعينهم، فسلب الله تعالى هذا النعيم للعرب، ورمى بهم في الصحاري والبراري والوهاد،

١٥٣ / ٥٧١