الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الأول الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٨

فليس لها غطاء إلا السماء ولا وطاء إلا الأرض، يتبعون أذناب البهائم والأنعام بين أبل وبقر وغنم ومعز على وجه الأرض، وأشجارهم العضاة والقتاد، وأشرابتهم المياه والثمار ليس لهم من الشمس كن ولا أنيس إلا الجن، ولا طيب إلا اللبن، ولا معقل إلا الحيل، ولا ملجأ إلا القن في آفات التن (1)، ولا لباس إلا الصوف والوبر والجلود، فمسخت الألوان وتغيرت الأبدان، فأعقبهم الله تعالى بتوفير العقول وذكاء النفوس وعلو الهمم في الجود والكرم، وحفظ العلوم بالسماع والكلم بدلا من النسخ بالقلم في قراطيس الأدم.

وقد أشار ابن المقفع إلى شيء من هذا. وكان ابن المقفع في النهاية من العلوم والحكم والأدب والشيم وخدم الولايتين: ولاية بني أمية، وولاية بني العباس لحاجتهم إليه وإلى علمه.

وذلك أنه أقبل ذات يوم إلى سوق المربد بالبصرة، وهو مشهور سوق تحضره الأخيار والسادات والفضلاء والأشراف، فلما أبصروه قاموا إليه، وسلموا عليه ورحبوا به.

فقال: (ما يحبسكم في مجالس الشياطين والعامة والغاغة والسوقة وفيكم الفقهاء والعلماء والشعراء والخطباء والسادة والأمراء؟ اغدوا بنا إلى قصر ابن أبان فنتروح في ظله، ونستنشق من نسيمه، ونتفاوض في العلوم والحكم ونتذاكر أخبار الدنيا والأمم).

فقالوا: (سمعا وطاعة). فرجعوا إلى دوابهم وخيلهم وبغالهم وحميرهم فركبوها، وقصدوا قصر ابن أبان، فلما وصلوا نزلوا في ظله، وأكبروه أن يبتدئوه بالسؤال هيبة، فرفع إليهم رأسه فقال: (يا وجوه الخير، من أعقل الناس؟).

قال بعضهم: (أهل الصين).

فقال: (بماذا؟).

١٥٤ / ٥٧١