الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الأول الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٩

فقال بعضهم: (إن بلادهم تعمل صنائع الدنيا الديباج والحرير والوشي والثياب النفيسة كلها، وأحكموها، واستقامت أمور الرعية والجنود والكتاب، وخراج الأرضين، وترتيب القرى والمدائن، فلا يكاد يحدث عندهم أمر من الأمور في جميع مملكة سلطانهم إلا وعنده منه خبر في يومه، ولا يتوالد مولود ولا يموت ميت وإلا وصل خبره عند الملك، ذلك اليوم، أو تلك الليلة، في مملكة قطرها مسيرة سنة، وقد أعدوا النجب والخيل والفيوج (2) والطيور لمثل ذلك).

فقال ابن المقفع: (هؤلاء قوم علموا فتعلموا، وتحملوا أمورا فحملوها، ووقع من الملوك وممن له القدرة عليهم فحملهم على تلك الأمور طوعا أو كرها).

ثم قال لهم: (من أعقل الخلق؟).

قال بعضهم: (أهل الهند).

قال: (بماذا؟).

قالوا: (إنهم أعقل الخلق في سياسة النفوس في الأغذية والأدوية والحكمة ومعرفة نجوم الأسماء والطوالع والمواليد وسياسة الملوك والبددة (3)، وفيهم تفرع وتدرع علم أبينا آدم صلوات الله عليه وسلامه).

---------------------------------------------------

(2) جاء في لسان العرب: الفيج: فارسي معرب، والجمع فيوج وهو الذي يسعى على رجليه، وفي الحديث ذكر الفيج، وهو المسرع في مشيه يحمل الأخبار من بلد إلى بلد. (مراجع ط 2).

(3) البددة هي بيوت عبادتهم التي فيها الأصنام والتصاوير. (مراجع ط 2).

وقال ابن المقفع: (هؤلاء قوم تقدمت لأوائلهم هذه الأمور، فجروا على أسلوبهم، ونشأوا عليها).

ثم قال: (من أعقل الخلق؟).

قالوا: (الفرس).

قال: (فبماذا؟)

قالوا: (إنهم أتوا الملك في الدنيا على جميع أقطار الأرض، فساسوها وأحسنوا تدبيرها، واستخرجوا بعقولها سياسة الملك فساسوا بها الدنيا، فصاروا للأنام كالشمس للدنيا).

١٥٥ / ٥٧١