المجلد الأول الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٠فقال: (هؤلاء قوم استظهروا بالصعاليك على المماليك، وبالأجناد على العباد، فجرت على أسلوب واحد).
ثم قال: (فمن أعقل الخلق؟)
قالوا: (الروم).
فقال: (بماذا؟)
قالوا: (قد أوتوا عظيم الجثة في أبدانهم، والقوة في مفاصلهم، فاقتدروا على صنعة الهياكل العظيمة، والصنائع العجيبة، وعجائب الأشكال والصور والاقتدار على مقاساة الأسفار في البر والبحر).
فقال ابن المقفع: (هؤلاء قوم جادت بلادهم لهم بآلات الصنع، فظهر في جميع ذلك الصنع غرائب ما في الدنيا من البدع).
قال: (من أعقل الخلق؟)
قالوا: (الله أعلم). فرفعوا إليه رؤوسهم، فقال لهم: (أعقل الخلق العرب .. ) فتعجب كثير ممن حضره، واستعظموا قوله واستغربوه.
فقالوا: (بم ذلك؟)
قال: (إنهم نشأوا في البادية، ليس لهم ملوك تسوسهم في أمر دنياهم، ولا أنبياء ولا علماء تفقههم في دينهم، ولم يؤتوا أموالا يستخدمون بها، ويستخرجون بها صنائع الدنيا، فالسماء سقفهم والأرض فراشهم.
إذا ولد عند أحدهم مولود، مهما ترعرع وبلغ الحلم، خطب عليه أبناء عمه ودفع له غنيمات وعنيزات، يأخذها ويتمعش فيها، ودخل بها تلعة من التلاع، أو بقعة من البقاع، لا جليس ولا أنيس إلا نفسه وغنيماته، يرعاها نهارا ويحرسها من الذئب ليلا، فدعاه عقله وحسبه ونسبه إلى استخراج