المجلد الأول الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧١مكارم الأخلاق فاستعملها، ومذامها فاجتنبها، وتمعط ممن رماه بالدنية، وربما يناله فيمتنع منها، وفي تلعته ليس معه إلا النجوم الساريات والرياح الجاريات، ويهتز لمكارم الأخلاق إذا نسبت إليه، ويتمعط من مذامها إذا عزيت إليه.
فتعلموا بطباعهم مطالع النجوم وأزمنتها وخواص منافعها عند طلوعها، وسجعوا في ذلك أسجاعا، إلى أن رتبوا في بلادهم أسواقا في المواضع التي يجتمعون فيها، فتذكرون مآثر آبائهم ومناقب أجدادهم ومفاخر عشائرهم، فيتفاخرون بها، كذي المجاز وعكاظ ومجنة، ويتحامون القبائح والرذائل لأجلها إذا اجتمعوا فيها، ويتناشدون الأشعار ويحفظونها، والخطب ويعونها، وليس عندهم كتاب ولا سنة ولا شريعة ولا مصيغة، لا يعلمون الكتاب إلا أماني، أحفظ خلق الله لما سمعوا، وأضبطهم لما استحفظوا).
وقيل: إن ناسا منهم أدركهم العطش في بعض الصحاري، وليس معهم ماء إلا شيء فاقتبسوه، فأخذ أحدهم نصيبه فشربه فلم يغن عنه شيئا، وأخذ الآخر نصيبه، فلما أراد أن يشربه قال له الأول: أنقذني بنصيبك من الموت يا أخي، فإني لا أراه يغني عنك شيئا. فقال الآخر: دونكه. فمد بها صوته حتى خرجت روحه، ولهم في هذا مآثر كثيرة، فأرسل الله تعالى محمدا (صلى الله عليه وسلم) فكان بالموضع الذي ذكره الله تعالى من الأخلاق الحسنة والأفعال الجميلة كما قال الله - عز وجل -: (وإنك لعلى خلق عظيم) فأنزل الله عليه كتابا يتلى، تضمن من الحكم ما لم تتضمن الكتب الأولى التي كانت قبله، قال الله - عز وجل -: (وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) وسماه الله تعالى من أسمائه بعشرة أسماء أو أزيد - كتاب حكيم، عزيز، نور، ومهيمن، وفرقان، وقرآن وشفاء، ضياء، وهدى، ورحمة، ومبين، ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب، وفوض إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيان ما فيه،