المجلد الأول الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٨٣فلو جاز قوله: إنما حكم داود وسليمان أنهما علم وأنهما حكم لجاز في جميع المتضادات، فإن أجاز أن يكون قول داود وسليمان في شيء واحد: أنه حكم وعلم، فمن أين يلزمه أن يكون الشيء حارا باردا في حالة ومتحركا ساكنا في حالة، وحيا وميتا في حالة، وإنما أراد أن البارد والحار حقان، والمتحرك والساكن حقان، والحي والميت حقان، وقع الكلام في شيء واحد، وعارض في شيئين.
ولا يلزم شيء من هذا من قال: إن الله أمر باجتهاد الرأي في استخراج الحكم، واختلف المجتهدان، فاختلافهما حق عند الله، لأن الله أمرهما جميعا، ففعلا ما أمرا به، فهذا الذي فعلاه حق عند الله، ولا يأمر الله بالباطل.
ثم إن الله توعدهما إن لم يجتهدا، أو اجتهدا ولم يظهر ما عندهما، وأعظم توعد إن أظهرا خلاف ما عندهما، فلا يسقط الهلاك عن أحدهما محقا أو مبطلا، لأن الحق إذا كان مع الواحد فالباطل مع الآخرين، لأن الحق ضد الباطل، فمن أخطأ الحق وقع في الباطل، لأنه ضده من جهة اللغة، وإن شئت من جهة الشرع وقع في الضلال قال الله – عز وجل -: (فماذا بعد الحق إلا الضلال).
فإن امتنعوا أن يجعلوا خلاف الحق عندهم في هذه الأقاويل هو الباطل، فهما حقان إذا وباطلان، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
وأما قول من قال: إن قول المختلفين صواب. وهو قول علي بن أبي طالب، لما وقع فيما وقع وارتطم فيما ارتطم فيه، جعل يتوسع على نفسه العذر.
وصنيع أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – حين وقعت فيما وقعت فيه، جعلت تتساهل في العذر في تأويل قول الله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) فقالت أول مرة: (ظالمنا ظالم، ومقتصدنا ناج، وسابقنا سابق)، فلما وقعت رجعت فقالت: (ظالمنا مغفور له، ومقتصدنا ناج، وسابقنا سابق).