الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الأول الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٤

بعد أن لم يكن، وبث فيها من كل دابة أمر ظاهر في نسل الحيوان معدوم في الموتان، وتصريف الرياح في الجهات والسحاب المسخر بين السماء والأرض أحيانا في الأوقات على اختلاف الصفات، فالحدوث ظاهر بالحس ضرورة فمن أنكره أنكر الضروريات الحسية، فإذا ثبت الحدوث ثبت المحدث واقتضاه عقلا.

واعلم أن جميع ما خاطب الرب تعالى به المشركين في القرآن – الذين لا يقرون بالقرآن ولا النبوة – من الأمور العقلية، لأن الأمور العقلية ضرورية فمن أنكر الأمور الضرورة كابر وتجنن، وفي القرآن تنبيه على ما قلنا قوله – عز وجل –: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود) إلى قوله – (أفي الله شك فاطر السموات والأرض). فأثبت الأنبياء عليهم السلام انتفاء الشك في المحدث الفاطر عمن انتفى عنه الشك في الفطور وهو الذي يقتضيه العقل وإليه الإشارة بالآية الأولى في قوله: (والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون). وحدوث المدينة في الموضع الذي لم تكن فيه لمن جاز عليه قاعا صفصفا فرجع فوجدها مدينة عجيبة البيان مزينة الحدثان لها شأن من الشأن تحار في صناعتها العينان فدلت على محدثها عقلا، فمن امتنع من هذا تسفسط ولم يفطن وصار ألنا ولم يبرهن، وانتقل من الدرجة العليا إلى الدرجة السفلى وخرج من حيز العقلاء إلى حيز الأنعام، بل هم أضل سبيلا وأجهل جهيلا.

وأما المجوس وأهل الكتابين المذلة في الخافقين: فحسبهم معجزات الرسول من المشرقين إلى المغربين والدلالة عليهم وإبطال مذاهبهم إثبات النبوءة نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم)، والدليل على نبوته تسع آيات معجزات للخليقة أن يأتوا بمثلها، ظاهرة التصديق لمن أتى بها، فثلاث في ذاته وثلاث في كتابه وثلاث في أمته، أما الثلاث التي في ذاته: فهدي منقول وصدق مقبول وغيب مبذول، وأما الثلاث التي في كتابه: فتأليف عجيب وتعريف أخبار القرون الذهوب وتوقيف على أسرار الغيوب، وأما الثلاث التي في أمته: فرجوع العد والتباين ونزول البركات والخزائن وافتتاح البلاد والمدائن، ومن وراء ذلك الدلالة على نبوته من علم أهل الكتاب وهي ثلاثة أحدها: أن ذكر في التوراة

٢٤ / ٥٧١