المجلد الأول الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦وأما الثالثة: يجدد حلاوة في قواء (1) حبها لا يخلق بكثرة الرد ولا يكل ولا تعد بحوره في استخراج الفوائد منه والعلل، ولا تخفه الأسماع ولا تنفر منه الطباع.
وأما الثلاث التي في أمته: فرجوع العدو المباين المناصب الذي يطالبه بالثأر في الأهل والأموال والديار، فانعكس ذلك كله وصار حبا وبذلوا النفوس والأموال دونه عنه ذبا، ابتغاء الوسيلة إليه والفضيلة عنده، اختيارا لا قهرا ولا اضطرارا، فسبحان مقلب القلوب علام الغيوب. وأما نزول البركات والخزائن
فظاهر حين جمعت له الدنيا بحذافيرها وجادت ببذورها ودرت بضروعها، فأينعت ثمارها وأبهجت أشجارها لقوم كانوا بداة جفاة أشبه شيء ببهائمهم، فرجعوا ذوي أخطار ملوكا ذوي اقتدار لما تملكوا الدنيا من الخافقين إلى الخافقين، من وراء هذه الخزائن الفتق، وقد نبه عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال: ((ماذا أنزل هذه الليلة من الخزائن الفتق ايقظوا صواحب الحجرات)) يريد نساءه فكان ما قاله حقا (صلى الله عليه وسلم).
وأما فتوحات القرى والمدائن فأمر ظاهر قد تجلى للعيان، واعلم أن الله تعالى وهب لمحمد عليه السلام ما لم يهبه لنبي قبله ولا ملك، وذلك أن بني إسرائيل امتن الله عليهم بان وعدهم افتتاح القدس ومدائن الشام، واستطالت به بنو إسرائيل على جميع الأنبياء والأمم التي قبلهم، فكان ذلك كذلك، ولم يصح مع ذلك مدائن الشام كلها، وأفضل الشام فلسطين هو لأولاد كنعان (2) والدروب للروم، ألا ترى قول الله تعالى لداود حين قال له: (أخرج أولاد كنعان من أرض فلسطين فإنهم لا يطيعون نبيا منهم ولا من غيرهم فهم للأرض كالجدري للوجه) ففتح الله تعالى لمحمد عليه السلام الشام كله فلسطين ودروبه وجزيرة العرب بأسرها والجزيرة جزيرة بني عمر إلى الجودي إلى ما وراء ذلك، والعراق والبحرين وعمان واليمن قاطبة والحساء وهجر والمشقر وأرض فارس والماهات وهمدان وحلوان والري وأرمينيه وخرسان ومن وراء ذلك الصين وإلى سمرقند وبخارى والترمذ إلى سد يأجوج و مأجوج، ومن ناحية السند والهند كرمان ومكران وسجستان وغزنة والتبت، ومن المغرب مصر وأفريقية والأندلس وبعد الخمسمائة من الهجرة فتح الله عليه بلاد السودان