الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الثاني الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٩

كان في سياق كلامه لولا التفرقة بين ما يحبه الله وما يبغضه، وما سمي من ذلك شكرا مما يسمى كفرانا. فقال:-

(فقد رجع حاصل الكلام إلى أن لله حكمة في كل شيء، وأنه جعل بعض أفعال العباد سببا لتمام تلك الحكمة وبلوغها غاية المرام منها، وجعل بعض أفعالهم مانعا من تلك الحكمة، فكل فعل وافق مقتضى الحكمة حتى انساقت الحكمة إلى غايتها فهو شكر، فكل ما خالف ومنع الأسباب من أن تساق إلى الغاية المراد منها فهو كفران).

وهذا كله مفهوم ولكن الإشكال باق وهو العبد المنقسم إلى ما تنتجه الحكمة وإلى ما يدفعها كلها من مراد الله وحكمته.

واعلم أن تمام التحقيق في هذا، يستمد من تيار بحر عظيم من علوم المكاشفات، وقد رمزنا فيما سبق إلى تلويحات مبادئها.

ونحن الآن نعبر بعبارة وجيزة عن آخرها وغايتها، يفهمها من عرف منطق الطير، ويجحدها من عجز عن الابضاع في البر، فضلا عن أن يجول في حق الملكوت جولان الطير. فنقول: -

إن لله سبحانه في جلاله وكبريائه صفة، يصدر الخلق والاختراع عنها، وتلك الصفة أعلى وأجل أن تلمحها عين واضع اللغة، حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها، فلم يكن في العالم لها عبارة، لعلو شأنها، وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمد طرفة إلى مبادئ إشراقها، فانخفضت عن ذواتها أبصارهم، كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس، لا لغموض في نور الشمس، ولكن لضعف في أبصار الخفافيش فاضطر الذين فتحت أبصارهم ملاحظة جلالها، من أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة تريهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدا واستعاروا لها اسم القدرة، فتجاسرنا لسبب استعارتهم عن النطق فقلنا:

٢٦٣ / ٥٧١