الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الثاني الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١١٠

واعلم أن المبتدع إذا رأى وزعم أنه حق عند الله، ولم يره دينا، ولا قطع عليه عذر من خالفه، فهذا محمول عنه عادة لا يحكم عليه ببدعته.

وليس في أن قال حق عند الله ما يوجب له البدعة، لأن الأقاويل المختلفة قد أطلق بعض عليها أنها حق عند الله. وهو قول القائل: (إن كل مجتهد مصيب).

وقوله حق عند الله، وخلافه حق عند الله، بشرط أن يكون في الموضع الذي يجوز لهم فيه الرأي، ولم يقطع المسلمون عذرهم في ذلك، ألا ترى أن المشايخ قالوا أول مرة أن من قال: ريح المروحة خلقه لا خلق الله، أنه إن قاله برأي فالرأي عجز، وإن قاله بدين هلك.

وكذلك إن قطع عذر أحد من المسلمين فيما أوسع الله عليهم العذر فيه، وأما من رأى خلافهم، فلم يقطع عذرهم فواسع له، والعلم والجاهل في هذا سواء، فأيهم قطع العذر أولا، فهو المقطوع العذر.

ولا يحل لعالم أن يقطع عذر من عجز علمه عما أدركه هو، ولا الجاهل أن يقطع عذر العالم فيما يعلمه دونه.

فمن الأشياء التي هي خطأ عند الله من زعم أن ريح المروحة خلقه دون الله تعالى، لكنه محمول عند من لم يبلغ علمه وجه الحق فيه عند الله، لكنه اقتصر على رأيه فيه، وهو من الخطأ الذي عفا الله عنه لهذه الأمة حيث قالوا: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).

وغلى هذا أشار جابر بن زيد – رحمه الله – في القول فيما لا يسع جهله. والاختلاف فيه قد أوجبه بعض الفقهاء: معرفة آدم صلوات الله عليه، وأنه من الأنبياء، وأنه أول المرسلين، وهذه المسائل الثلاث مبنية على الرأي، وليس فيها في الكتاب نص ولا في السنة أثر، فإن كان فمستخرج.

٣٤٤ / ٥٧١