المجلد الثاني الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٤ذكر أصول الشريعة البنية على ثلاث
اعلم أن أصول الشريعة مبنية على ثلاثة أمور: الكتاب والسنة، ورأي المسلمين. فالكتاب أصل للسنة والسنة أصل للرأي، وبالعكس، إن الرأي يقضي على السنة، والسنة تقضي على الكتاب. فيا سبحان الله، كيف صار الأصل فرعا، والفرع أصلا، حيث يقضي الأدنى على الأعلى، ومع أن الأعلى أعلى له.
وبيان ذلك أن الله – عز وجل – قال: (وما أرسلناك إلا لتبين للناس ما نزل إليهم) فأول ذلك قول الله تعالى: (يأيها الناس) (يأيها الذين آمنوا) فهذا الخطاب يستغرق جميع الناس وجميع المؤمنين، فخصت السنة منه الطفل حتى يكبر، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ.
وعم عموم هذه الآي جميع العقلاء البالغين، من الرجال والنساء. فقال: (فاتقوا الله وأطيعون يا أولي الألباب) فأمر بطاعته وتقواه جميع أولي الألباب، فدخل النساء في الخطاب، على أن لهن خطابا مفردا.
وقد يكون ذلك عند العرب على أن الأفضل آت على المفضول والرجال على النساء. ثم قال: (وقاتلوا المشركين كافة) (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه) ثم قال: (جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم) فخرج النساء من الجملة بحكم الشريعة والسنة.
ثم إن السنة جاءت معلومة فكر عليها المسلمون بآرائهم فضعضعوها، من ذلك الأخذ باليمين على الشمال، وهو من سنن المرسلين، وتركته الأمة حتى ترك، والزكاة لليهود، والإحسان إلى أسارى المشركين قال الله – عز وجل -: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا).
ومعلوم أن الله تعالى قال: (قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم) فهذه عموم محتملة للتبعيض، فنسخ الله تعالى منهم أهل الذمة، فقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).