المجلد الثاني الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٦ذكر أفعال المكلفين
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
بلغني يا أخي كتابك الأغر الأكرم، تذكر فيه المسألة المذكورة في كتاب «العدل والإنصاف» في باب أفعال المكلفين، وهي أن العبد هو الفاعل الكاسب المريد لأفعاله وكلامه وقوله ونطقه وقراءته، وأما صوته (*) فلا، وأن حواسه كلها أجسام، وكذلك محسوساته كلها أجسام وهي اللون والطعم والريح والصوت (*) وملموسة كلها أجسام، وأما الحواس فالسمع والبصر وحاسة الذوق واللمس وحاسة الشم فهذه أيضا أجسام.
اعلم يا أخي أن الأشياء تؤخذ بالتقييد لا بالتقليد، وتقتبس من أصولها لا من فصولها، والذي أذهب إليه أن الصوت كسائر أخواته في التجسيم، أو هو أقرب من أخواته إليه.
واعلم أن هذه المسألة ليست بدينية ولا شرعية، وإنما هي مسألة طبيعية، وإنما يقتبس عليها من أحد ثلاثة أوجه: أولها: اللغة. والثاني: قول ولاة هذا الأمر وهم الأطباء والطبائعيون الذين ينظرون في ذات العالم. والثالث: الشرع، ولم يرد فيه سمع يقطع أنه جسم أو غيره إلا أن يقتبس من قول الله – عز وجل – الصاخة والقارعة.
فلنرجع إلى الوجه الأول وهو اللغة، وذلك أن أهل اللغة سموا الصوت وأخواته محسوسات، وسموا مقتضياتها حواس، وبعضهم سموها جواس، فعلى الوجهين جميعا يقتضي هذه التسمية للجس بتجسيم الصوت،