الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الثاني الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٥٨

فمقدار ما يسمع هذا الصوت من فوق فهو حده من أسفل، ومقدار ما يسمع يمينا هو حده يسارا، ومقدار ما يسمع أمامه هو حده من خلفه، وإن وقع الصارف والمانع انصرف وامتنع من تلك الجهة، مثل الريح، فأنه يذهب به إلى جهته وربما يسري به فيبلغه مسافة وأعظم من مسافته لو خلي وطبعه.

فإن قوي الريح صرفه بالكلية من جهة إلى جهة، ويكون له صارف من حائط أو غائط (2)، وتتبين الجهة التي يأتيك منها، ويكون له حاجز عن الأسماع ولو ضربت طبول الدنيا لمن كان في قارورة ما سمعه، أو تنشق القارورة، ويسري إلى جبل ويرجع صداه بصوته كما هو لا يحرم منه شيء، ومن وراء ذلك أنه متصف ببعض صفات الأجسام من الخشونة والليونة والدقة والحدة والصفير والبحوحة، ويهد الجبال ويقرع الآذان ويصم الأسماع، ويزهق النفوس ويطرب ويكون، فهذه كلها صفات الأجسام، ومن أراد معرفة هذا فليأخذه من أهل الموسيقى، وربما يحدر الأخلاط، ويضر بالأفراط، ويلذ ويؤلم، ويهيج الشجاعة والجبن والهواء المستكن.

وإنما وقعت الشبهة فيه لامتزاج الصوت والتصويت وتعذر الانفصال. وأما كلامنا وقولنا ومنطقنا وقراءتنا فهي أفعالنا، وكذلك تصويتنا. وأما صوتنا فهو فعل الله – عز وجل – وهو جسم، أفعالنا أعراض.

فإن قال قائل: ما الفرق؟ قيل له: إنا وجدنا العبد يتكلم ويقول وينطق ويقرأ من غير صوت، فكان الصوت شيئا طارئا على هذه المعاني، والصوت شيء واحد، جعله الله تعالى حد المستمع بالسمع.

وأما الكلام وأخواته قد يقع من غير ما صوت، وأول ذلك الكلام فيحده تحريك اللسان بالحروف والشفتين، وتقتضي بنظمها المعاني.

٣٩٢ / ٥٧١