المجلد الثاني الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٩فإذا وقع تأليف حروف باقتضاء معاني سمي كلاما وقولا ومنطقا وقراءة.
وقد يقع الكلام بصوت وبغير صوت، وإنما الصوت بعض أوصافه غير الملازمة، ألا ترى أنك تقول: كلمته إيماء وإشارة ورمزا، وليس في شيء من هذا صوت. كما قال الله تعالى عن زكريا عليه السلام قال: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا).
وأما القول كما حدوه في الكلام: أنه حروف منظمة تقتضي معاني. قال الله – عز وجل -: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول). وهذا القول باللسان يخاطب نفسه من غير ما صوت، إلا بنظمه الحروف بلسانه.
فإن عورضنا وقال: إذا جعلتم القول في النفس من غير ما صوت، فقولوا في الكلام كذلك، فهذا دليل أن الكلام كلام الله – عز وجل – صفة له في ذاته أزلية.
قلنا: لابد من الكلام والقول من نظم الحروف، فيتعدى ذلك النفس، فإن لم تكن حروف ولا نظم كان علما، والعلم اعتقاد في النفس، والكلام والقول معنى جاوز النفس إلى نظم الحروف المعنوية، فهذا الفرق بين العلم وبين الكلام في النفس، وبين القول أيضا.
ولابد من معنى زائد على العلم وهو تصوير المعنى في النفوس، وهذا الزائد هو القول ويكون بغير صوت ولا يتوجه إلى الغير.
فأما النطق أيضا فهو على هذا الأسلوب مما يتعلق باللسان والشفتين، وقد يكون بصوت وبغير صوت، وقد جعل الله تبارك وتعالى للحكل منطقا، وباتفاق أن ليس للنمل صوت. فلقبوه باسم الحكل، ففهمه الله تعالى لسليمان عليه السلام. فقال تعالى: (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي).