المجلد الثاني الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧١واجتمعت على النسيان: أنه محطوط عن هذه الأمة، إلا شواذ ذهب بهم الرجوع عن العلم، وليس النسيان بالرجوع عن العلم في شيء.
والرجوع عن العلم: أن يقصد إلى ما أقره به، فينكره على علم بإقراره، أو تخطئه ما صوبه، أو تصويب ما خطأه، والرب تعالى يتجاوز عن كثير من هذه الأمور، فكيف بأمر ق سقط عن أذهانهم وأوهامهم لا باختيارهم، وليس هذا من صفة الحليم الرؤوف الرحيم .. !
وقال الشيخ أبو خزر يغلا بن زلتاف – رضي الله عنه -: (بلغنا أنه ما سقط عن وهم الإنسان لا يؤخذ به)، فأين ذهب بهم وبمن قال بخلافة وهو الإمام الغاية القصوى، والرب تعالى حطوط جعل النسيان عنهم بمثابة لهم، حين آمنوا كلهم بالله وملائكته وكتبه ورسله وقولهم: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) فرغبوا في المغفرة فبشرهم أنه (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
فلما خفف عنهم سألوه ترك النسيان فقالوا: (لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فما بال الشدة في أول موهبة الله – عز وجل – للمؤمنين.
وجل العلماء والمفسرين يذهبون في الخطأ إلى العمد: يقلون: (لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) أي تركنا أو تعمدنا.
وقال موسى بن عمران عليه السلام للخضر عليه السلام: (لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا). فلوجب أن ذلك من الخضر عليه السلام أي فعل إرهاق عسر، ولا يليق بالحكيم الرحيم.
وقال يوشع بن نون – رضي الله عنه -: «وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره». فجعل الله تعالى معذرة المؤمنين في أمر نسوه، وإحالة الذنب على الشيطان، فمن نابه أمر نسيه أحاله على الشيطان، وقال الله تعالى في آدم عليه السلام معتذرا له: (فنسي ولم نجد له عزما) على عمل المعصية.