الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الثاني الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢١١

فعلم الحواس ضروري، وعلم العقل ضروري، والاختيار: علم الشرع وما يشبهه.

فجعل الله تعالى في العلوم الشرعية والعمل بها، لمن التزمها وداوم عليها واهتبل بها وفعلا واستعان بالعلوم الضرورية حسا وعقلا، وتطهيرا للقلوب وتنقية لها من الأنجاس والأرجاس واستضاءة من الظلمات والكدرات.

فمهما واظب الإنسان على العبادات تراكبت أنوار العبادات على القلب، حتى تتضح فيه حلية الحق ووتجلى وتظهر فيه صور الموجودات وتتجلى.

وأنا أشير لك إلى حالة الإنسان في سفره إلى الله – عز وجل – والترقي في العلوم من أوله إلى آخر الغاية إن شاء الله تعالى.

أما بعد، فإن الله تعالى لما خلق ابن آدم في بطن أمه، فمكث في الرحم أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، وأربعين يوما مضغة، ووقع التصوير في عشرة أيام، وهي مائة وثلاثون يوما، وهي أربعة أشهر وعشر، وعند تمامها ينفخ فيه الروح، وعند نفخ الروح يقتبس العلوم الحسية ويتولد عنها اللذة والألم، فقام عنها علم الخيال اقتبسه من حواسه والحواس عادة ضعيفة.

فما زال كذلك حتى يخرج من بطن أمة، ومعه ملك مقترن معه من بطن أمه.

فلما خرج من بطن أمه قارعه الهواء بعد كن الرحم والشيطان، فصرخ الصرخة أول أملاحه والصيحة أول نياحه.

وأول ما يظهر من علومه الخيال فيؤديه يافوخه إلى دماغه، فما حصل إلى اليافوخ من الحواس أداه إلى مقدم الدماغ فصار خيالا.

وفي الدماغ ثلاث مقدمات، وثلاث قوى.

٤٤٥ / ٥٧١