المجلد الأول الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٦فأقرب من ذلك موقعا أن يختلف معهم في الأسواق ولا يعرفونه، وتضمه معهم المساجد والمجالس ولا يثبتونه. ويقول: أنا ربكم الأعلى. ولا ينكرون، بشرط أن يكون وسيما جميلا جليلا، ولا قبيحا ولا ذميما، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهؤلاء قوم فرحوا بما عندهم من العلم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون.
وأما من امتنع منهم من إجرائها على المعاني التي تعرف: من الوجه أنه الجاه، ومن القدم بما قدم لها من الشقوة، ومن اليد أنه النعمة والقوة، ومن المعصم ما يعتصمون به، ومن العين العلم تجري بأعيننا، ومن الفم الكلام، وفي أمثال، هذه معروفة عند العرب أنها الجارحة وثمرة الجارحة كما يعقلها العرب، فلحبو طريقا وسطا بين الخيال والوبال، فامتنعوا من الجوارح، وامتنعوا من اللغة.
قلنا لهم: أتعرفونها؟
قالوا: لا، إلا أنها صفة الله.
وقد صدق القائل: قد يتكلم المجنون بما يعجز عنه العاقل. فهؤلاء مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، شرعوا الجهل دينا ورأوة دينا، ومالوا عن الحق بونا، وأصابوا حينا ومينا.
وأما مذهبهم في الكلام في الأمر والنهي والقرآن، فهو الذي جر عليهم حبنهم (2)، فأظهر الرب شينهم، فأصبحوا مثل النصارى بينهم.
وأما ذنبهم الذي أوردهم جميع المهالك وسيئاتهم التي أحاطت بهم من أجلها خطيئاتهم حين غلطوا في القرآن، فنفوا عنه الخلق وأثبتوه معنى غير الله يوصف به الباري سبحانه، وفعثروا عثرة لا إقالة لهم بعد العثور.
ثم من بعد العثور وقعوا في قولهم: إن الأمر والنهي معنيان يوصف بهما الباري سبحانه ولم يزل بهما، قائمين بذاته. فوقعوا وقعة لا انجبار لهم منها.