المجلد الثاني الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٨ومما يدل على ما قلنا أن الله – عز وجل – أخرج الخضر من حيز المكلفين ذوي الشرائع، فليس عليه إلا ما سنح في خاطره فعليه امتثاله، وليس عليه أن يأمرنا بالمعروف ولا أن ينهانا عن المنكر إذا رآهما منا، ولا دفع عن مظلوم، ولا قيام بحق معلوم.
فحاله كحالة الملائكة عليهم السلام، كما أن ليس على الملائكة من أمرنا ونهينا شيء إلا أن أرادوا ذلك وشاءوه إعلاما وإلهاما.
والإشارة إلى بعض علوم المكاشفات من قول الغزالي. قال: (أما بعد، فإن علم المكاشفة من العلوم التي تكون بين العبد وربه لا بواسطة، وهي الغاية القصوى للعباد. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن من العلم المكنون ما لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله، ولا يجهله إلا أهل الاغترار بالله، فلا تحقروا عالما آتاه الله علما، فإن الله لم يحقره إذ آتاه».
واعلم أن مراتب السباق إلى الله خمس: أولها: الإيمان، ثم الظن، ثم العلم، ثم اليقين، ثم المعرفة.
فالإيمان: سكون النفس إلى وجود الله تعالى. والظن: ميل النفس إلى وجوده. والعلم: ظهور وجود الباري سبحانه إلى العبد. واليقين: اتضاح الوجود بغاية الاتضاح، والمعرفة هناك نهاية مبلغ العباد، شبه الضرورة، لكن المعرفة علم بعد علم، وثمرة المعرفة بالوحدانية لا بل بالتوحيد، لا بل
بالوحدة، لا بل بالواحد، لا بل بالأحد، هناك انتهت المعرفة.
-----------------
(1) أبان. (مراجع الطبعة الثانية).
القول في التوحيد والوحدانية والأحدية: فالتوحيد مآله إلينا، والوحدانية بيننا وبين ربنا، والأحدية هي له دوننا: والتوحيد هو البحر الخضم الذي لا ساحل له، وله أربع مراتب: هي تنقسم إلى لب، ولب اللب، وإلى قشر، وقشر القشر، ويتمثل ذلك إلى الفهم الضعيف بالجوز في قشرته، فإن له قشرتين، وله لب، ولب دهن.