المجلد الثاني الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٧٤قلنا له: إن قضيت على الله – عز وجل – بالعجز عما ذكرنا، انصرفنا إلى ما قلت، وإلا فما ندع الظاهر للباطن، قال الله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه أنه كان حليما) على المتقين إلى أمد (غفروا) لمن نفى العجز عن ربه وعزاه إلى نفسه.
وأنا أحدثك بحديث غريب عجيب، شاهدته ورأيته، وسمعته بأذني، وعاينته بعيني، في جماعة من المسافرين من بني وارجلان، وقصته: جبل كان كاتم وبين أولاد كوار منتصف في دهسم من الأرض، ونحن في قافلة زهاء ثلاثمائة رأس من الرقيق ينقص قليلا، فانتهينا إلى الجبل، وتقدمت خادم من خدامنا عوان إلى الكبر، فإذا هي تخاطب الجبل، فأخذت خادما واحدة، فقالت بلسانها ولغتها: (يا جبل أخبرنا هل هذه الخادم ترجع إلى بلدها ووطنها؟ أم تتلف فلا تعود إلى بلدها ووطنها أبدا؟)
فرد لها الجواب الجبل، ونحن نسمع الصوت ولا نفهم معناه وقد قرع أسماعنا بصداه.
فإن كان جواب الجبل أنها تتلف ولا ترجع وطنها أبدا، ردتها الخادم الكبيرة وراء ظهرها، وأخذت بيد خادم أخرى، وخاطبت الجبل كأول مرة فيرد لها الجبل الجواب كأول مرة، فتردها وراء ظهرها كما فعلت بالأولى، فما زالت تفعل بهن هكذا خادما بعد خادم إلى آخرهن خادما، فخاطبت الجبل فرد لها، فرأينا الخدم أجمعين قد جرين لها وطفقن يقبلنها ويعانقنها ويمسحن عليها، فسألناهن فقلنا لهن: (ما بال هذه الخادم بين سائر الخدم؟)
قلن: (إن هذا الجبل يقول: إنها سترجع إلى بلدها ولا تتلف أبدا).
والعجب كل العجب أن الرقيق كلهن يعرفن خطاب الجبل، لما تكلم بادرن بأجمعهن إلى الخادم يهنئنها ويقبلنها.
فما زالت الأيام والليالي حتى وصلت إلى بلاد الإسلام إلى وارجلان،