الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الأول الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٧

واعلم أن القوم إنما ذهب بهم خصلتان: إحداهما اللغة، وذلك أنهم نظروا إلى تقاسيم الأسماء والأفعال والحروف في اللغة، فكل لفظة تقتضي معنى في الأجسام وحركاتها، فانقسمت أقساما كثيرة من أجل الأجسام والأزمان والمكان، فتحولت عينهم، فذهبوا ذلك المذهب في خالق الأنام، ونظروا إلى قولهم علم ويعلم وسيعلم علما وعالم وعلام وعليم. وقالوا: لابد لهذه التقسيمات أن تقتضي معاني متفاوتة حتما، واضطرهم الدليل المثبت للألوهية إلى أن يقولوا بقدمها، ونسوا ما ذكروا به من قبل أن الله ليس كمثله شيء، فشبهوا الذات التي لا تتجزأ ولا تحلها الأعراض بالأجسام التي تتجزأ وتحلها الأعراض ولم ينظروا بعين الحقيقة إلى من هو فوق المكان والزمان ولم يشبه شيئا من الأعيان، ولم يراعوا سهام الزمان

والمكان التي تجري على الأعيان دون القديم الذي كان قبله.

وسهم العين: الموجود والشيئية والذات والمعنى والإثبات.

وسهم الأمكنة: فالجهات الست: أمام وخلف وفوق وتحت ويمين وشمال.

وسهم الأزمنة: كالآن واليوم وأمس وغدا والشهر والعام وقابل وقاب وقباقب.

الذي يظهر في الأعيان أن يكون المقتضى واحدا وإن اختلفت الألفاظ، فيكون إخبارك عن ذات الباري سبحانه هو الإخبار عن شيئيته وعن عينه ومعناه، وإن اختلفت الألفاظ، فليس في ذلك ما يقتضي الغيرية.

وأما سهم المكان: فاختلاف الأمكنة لا يوجب اختلاف الذات، وكذلك في الأزمان، لاسيما في الواحد لا يتجزأ.

والخصلة الثانية: أنهم ذهبوا في إلههم مذهبهم في أنفسهم وحصروه إلى أوهامهم واعتقدوا أن ذلك إثباته لا إبطاله، وأن خلاف ما تذهب إليه الأوهام إبطال، وآمنوا بالوحدانية لفظا وأغفلوها في المعنى حفظا وعجزوا عن قول الصديق – رضي الله عنه – (العجز عن درك الإدراك إدراك) وقالوا هم: العجز عن درك الإدراك هلاك.

٥٧ / ٥٧١