الدليل والبرهان يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

المجلد الأول الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٩

والثاني: إذا ألهم الله عبده إلى الإيمان فآمن وصدق وأذعن وحقق، وهو في موضع لا يسمع بالحجة في شيء، مثل من كان بين ظهراني المشركين، أو في جزيرة من جزائر البحور، ففتح الله تعالى له في عقله وألهمه الإيمان به فآمن وصدق إلهاما، أو من جهة الرؤيا، وقف عليه وألهمه الخطأ، أو من جهة الكتابة من كتب الأولين، أو من جهة الطير مثل الهدهد والنمل والنحل والحمامة فآمن وصدق وحقق، فإن ذلك يسعه ما لم تقم عليه الحجة بشيء، سواء كان مشركا فدعاه داع وشرع له دين أبينا آدم أو دين نوح أو غيرهما من الأنبياء عليهم السلام، فاستجاب له فإن ذلك واسع له، وكذلك الأطفال لا متربين على الفطرة، ولا غير متربين ما لم يخالفوا إلى غير مقتضى فطرتهم، ألم تسمع قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ما من مولود يولد إلا على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) متبعهم على غير مقتضى فطرته فهناك يهلك.

وقال (صلى الله عليه وسلم): ((خلقت هذه القلوب حنيفة إلا ما كان من الشيطان فإنه يخترمها عما خلقت له)).

وقال الله – عز وجل -: (فطرة الله التي فطر الناس عليها). وقال: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة).

فإن سلموا من اخترام الشيطان وتحويل الآباء عما خلقت له فذلك واسع لهم، وقال الله – عز وجل – في يحيى بن زكريا: (وآتيناه الحكم صبيا).

وإنما التضييق أن يعلم محمدا (صلى الله عليه وسلم) ويشهد به لمن كان في جزيرة العرب لمن تناله الحجة ويسمع.

وهذه طريقة المعتزلة في أن الله تعالى ينال علمه والإيمان به من جهة الفكر، لأنه قل ما ينفك الآدمي في مهلة بلوغه من تأمل الأشياء، والنظر فيها وتجدد الأيام والليالي وما يعتريه من الأمراض والأوجاع والأسقام واختلاف الأهوية والأغذية والأزمنة والأمكنة والأرياح والأمطار وحدوث الثمار والنبات والأزهار إلا وقد اقتبس منها الحدوث.

٩٥ / ٥٧١