محمد بن محبوب
الجزء ١ · صفحة ١٤٨ومن الظلم أن تنعكس الأمور فيطالب المدعى عليه بالبينة على ما في يده وتحت حوزته، كأن يدعي إنسان على إنسان آخر بيته الذي بناه وسكنه فيقال لمن في يده البيت: هات حجة على أن البيت بيتك.
ولما كان مجلس القضاء من أولوياته تحديد طرفي النزاع والتعامل معهما بكل نزاهة وعدل وحتى لا يشعر أحد المتخاصمين بشيء من الحيف قرر الفقهاء عدة آداب يلتزمها القاضي في مجلس الحكم وحدودا ما يجوز له وما يؤمر به وما يحرم عليه، ونحن في هذا البحث الموجز سنحاول أن نتعرض لبعض الأمور لنتعرف على رأي الإمام محمد بن محبوب فيها.
الأمر الأول: ( هل يحكم القاضي بعلمه ؟ )
يختلف الفقهاء في علم القاضي بحقيقة الدعوى أو بأحقية أحد الخصمين بكسب الدعوى في اعتبار هذا العلم دليلا من أدلة الإثبات وطريقا لثبوت الدعوى ونذكر هنا أربعة أقوال في هذه المسألة:
القول الأول: ليس للقاضي أن يحكم بعلمه مطلقا.
ومستند هذا القول أن الشارع جعل أسباب الحكم البينة أو اليمين ونحوهما فهي أمور تعبدية لا يسوغ لنا الحكم إلا بها وإن حصل لنا ما هو أقوى منها بيقين، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ( شاهداك أو يمينه ) وقال عليه الصلاة والسلام للكندي: ( ألك بينة ) ويقول في بعض الأحاديث: ( فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذ إنما أقطع له قطعة من نار ) وهذا قول مالك وأكثر أصحابه ( بداية المجتهد 2/ 47 ).
القول الثاني: للقاضي أن يحكم بعلمه مطلقا.
وأهل هذا القول نظروا إلى أن الأمور التي وضعها الشرع سببا للحكم كالبينة واليمين إنما هي أسباب يتوصل بها إلى معرفة المحق من المبطل والمصيب من المخطئ وهي غير مقصودة لذاتها بل لأمر آخر وهو حصول ما يحصل للحاكم من علم أو ظن. وإن الحكم بعلم القاضي بلا شك أقوى مرتبة مما يحصل بالشاهدين أو اليمين، لأنه بعلمه يستند إلى العلم اليقيني. وعزى الشوكاني هذا القول إلى الشافعي في أحد قوليه.( نيل الأوطار 8/ 333).