محمد بن محبوب
الجزء ١ · صفحة ١٥٣وهذا القول ينطلق من مبدأ أن القاضي في مجلس الحكم مقصده إيصال الحق إلى صاحبه فإذا تبين له الظلم على أحدهما وعلم ذلك ولكن غفل المظلوم من إبراز دليله أو إظهار مستنده فليس للقاضي أن يغفل ذلك الأمر، ولا يقال إنه يجر التهمة على نفسه، لأنه يحكم بالدليل الواضح وليس بعلمه، كما أن قوله عليه الصلاة والسلام " فأقضي له على ما أسمع " أي فيما لم يبن للقاضي غير ذلك في مجلس الحكم، والحق أحق أن يتبع، من أجل هذا رأى الفقهاء أن القاضي ليس له أن يحلف من يرى أنه ظالم بل يخوفه بالله ويترك تحليفه إلى غيره. ومما يستدل به على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد لقن السارق الذي جاء إليه فقال: " ما أخالك سرقت " وكذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقو للزياد وقد جاء يدلي بشهادته " أرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وإن قيل أن هذا التلقين في أمر الحدود ولا خصم للمقر والمشهود له فليس في تلقينه حيف على أحد، فهو إيراد قوي، لكنه يمكن أن يقال في الرد عليه: إنه تلقين وقع في مجلس الحكم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر الحدود ولم يرد النهي عن التلقين في غير الحدود على أن هذا التلقين فيما لم يعلم فيه القاضي الحقيقة ومسألتنا فيما علم وأدرك القاضي ظلم المظلوم والله يقول ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعضكم به إن الله كان سميعا بصيرا ) ( سورة النساء 58 ) وليس من العدل أن يترك الخائف والضعيف يسطى عليهم وينتزع منهم أموالهم.