ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الثالث الهجري: الإمام محمد بن محبوب نموذجا محمد بالحاج

محمد بن محبوب

الجزء ١ · صفحة ٣٣

تلك إحدى عشرة سنة قضاها محمد بن محبوب يتولى خطة القضاء في جناح من أجنحة الإمامة، إنها مدينة صحار موطن الرحيليين، ومركز من أهم مراكز الإمامة لأنها تطل على المحيط، وقد عرفت من الحركة الاجتماعية والاقتصادية ما لم تعرفه كثير من مدن عمان الداخلية، لأنها مركز ملتقى الحضارات، إذ تروح منها السفن شرقاً وغرباً، وتلتقي فيها الأجناس من أطراف البلاد العربية والفارسية والهندية وغيرها، إنها كما عرَفنا بها سابقاً غاية في الرقي الحضاري، وصلها الإسلام مع عمرو بن العاص(1) مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل أهلها الإسلام ونشروه في أطراف بلادهم، ودافعوا عنه بكل ما أوتوا من قوة، ودعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير، فظل ذلك الخير منتشراً ما داموا محافظين على أداء الأمانة.

إنه حينئذ محيط يرفل بالحضارة والبهاء، تتعقد في تركيبة المجتمع، وتختلط الأحوال، فتصعب بذلك مهمة القاضي، لكن عدل الإمامة وهيبتها يحولان طينة البشر، ويجعلان فيهم الصلاح، فيهاب جانب القاضي ويتناقص غليان الفساد.

وهنا تسكت المصادر تماماً عما كان ينظر فيه محمد بن محبوب من القضايا سوى قضية واحدة، ولعل ذلك يرجع ــ كما ذكرنا ــ إلى انتشار الصلاح، فلم يكن هنالك ما يشدَ الرواة من الأحداث الغريبة، من أمثال القضية التي سنفصل الحديث في شأنها في المحور الثاني وهي تتعلق بمن يفسد في الأرض. والراجح حينئذ أن محمد بن محبوب كان يقضي حياته في هذا العقد الأخير منها بين الجلوس إلى القضاء، والجلوس إلى التعليم، والجلوس إلى التأليف وإلى الإجابة عمَا يرد إليه من الرسائل من الإمام نفسه، ومن أهل العلم ومن عامة الناس، يستنيرون بما وهبه الله من علم فيما يشكل عليهم من القضايا العلمية من مختلف فنون العلوم الإسلامية وخاصة منها ما يتعلق بالحياة العلمية من فقه وفتوى.

(1) ــ تحفة : 1/166.

٣٣ / ٢٣٥