محمد بن محبوب
الجزء ١ · صفحة ٥٦وهكذا انفض المجلس ويخرج محمد بن هاشم وهو يتمنى أنه مات قبل حضور مثل هذا المشهد، وهذه درجة قصوى في التعبير عن الغضب كما هو معلوم.
لكن الأمر لم يتوقف هنا، ولا شك أنها ظلت المشاورات بين أولئك العلماء المجتمعين إلى أن توصلوا إلى موقف وسط لا تصريح فيه بخلق القرآن ولا بقدمه، وهنالك لم يكن من محمد بن محبوب عند أول اجتماع إلا أن صرح برجوعه عن القول بخلق القرآن، والاكتفاء بالقول المطلق كما اتفقت على ذلك الجماعة.
وهذا يدل على عمق فكر الرجل وبعد نظره، ذلك لأننا نعلم أنه لا تعوزه الحجة للانتصار لموقفه، لكن وحدة الجماعة أولى خاصة وأن الأشياخ لم يذهبوا إلى القول بالقدم، القول الذي لم يقتنع به.
وبتراجعه هذا أدرك أن الأشياخ وإن منعوا من القول بخلق القرآن صراحة فإنهم يجعلونه ضمن الأشياء المخلوقة لقوله تعالى " خالق كل شيء " [ الأنعام 102 ].
وعدم التصريح هذا أراد الأشياخ من خلاله أن يفروا من مقالة الجهمية (1) الزاعمين أن صفات الذات محدثة، تعالى الله عما يقولون علوَاً كبيرا، ونحن نعلم أن القرآن كلام الله، وأن الكلام من صفات الذات. فعدم إطلاق الخلق على القرآن احتراز لعدم الوقوع في تصوُر حدوث الصفات الذاتية.
فواضحٌ حينئذ أن الأشياخ يعتقدون أن القرآن من جملة المخلوقات بدون منازع، وصدق السالمي حيث قال : " ولم يكن مرادهم ( الأشياخ ) نفي حقيقة الخلق عن الكتب المنزلة، ولا أرادوا إثبات قديم مع الله، حاشهم عن ذلك.
(1) ــ الجهمية : نسبة إلى جهم بن صفوان ( 128/745 ) فرقة غريبة حسب مقال دائرة المعارف الإسلامية إذ يصعب العثور على أتباع بأتم معنى الكلمة لجهم بن صفوان. المبادئ المنسوبة إليهم هي : القول بالجبر، خلق القرآن. اتهموا بالقول بالتعطيل في الصفات. يقولون بتأويل المتشابه. دائرة المعارف الإسلامية ص 398.ط. فرنسية.