محمد بن محبوب
الجزء ١ · صفحة ٦١ووجدت في بعض آثار المسلمين في هذا أنه لا قود عليه، فأعلمت بذلك علياً (1) فأعجبه وتمسك به، وقال إنما هذا إقرار من الرجل على نفسه فهذا الذي حفظنا.
وقد كان الأزهر بن علي (2) قد خالفهم في ذلك، فلم يأخذوا بقوله.
والذي نأخذ به أنه لا قود على هذا الرجل، وإنما تلزمه الدية في نفسه، ولا تلزم عاقلته في شيء.
وإن أراد أولياء الدم يمينه، فعليه لهم يمين الله، أنه ما قصد إلى قتل صاحبهم هذا، ولا تعمد ذلك، وما أراد إلا قتل رجل غيره فأخطأ به، وليس هذا ـــ رحمك الله ـــ عندنا، بمنزلة من أقر بقتل رجل فقال : " ابتدأ بي فضربني وبغى علي فقتلته " هذا لا يقبل من دعواه إلا بالبينة، إلا أنه قد أقر أنه قصد إلى قتله وادعى بغيه عليه، وذلك بقول : " إني لم أقصد إلى قتل هذا ولا أردته، وإنما أردت قتل غيره فقتله، وإنما وقع القتل بغيره، ولو أن رجلاً أقر بقتل رجل، وقال : " قد رأيته قتل ابني فقتلته "، لم يقبل دعواه إلا بشاهدي عدل، وإلا لزمه القود " (3).
يتَضح من هذه القضية الفقهية أن الإمام الصلت لم يلتجئ إلى محمد بن محبوب إلا بعد أن ضاقت به السبل، ولم يطمئن إلى ما اقترح عليه من حلول حتى من قبل القاضي، وفي ذلك دلالة على أن محمد بن محبوب سلطة علمية عليا. وأنه الغوث بالنسبة إلى أهل زمانه، وعلى أن الإمام ليس ممن يأخذون بأول رأي في مثل هذه الأحوال، وقد ذكرنا قبل حين ما لقضايا الدماء من شأن، وما فيها من إشكال.
(1) ــ لا بد أن يكون من أهل العلم في عصره، وقد يكون علي بن صالح أو علي بن خالد ممن عاصروا محمد بن محبوب وقد حضروا معه بيعة الإمام الصلت.
(2) ــ الأزهر بن علي : لم يذكره أبو المؤثر ضمن ذكر أئمة المسلمين. السير 2/313ــ315. وموقفه يدل أن له باعاً في الفقه مكنه من مخالفة عصره في قضية مثل هذه القضية في شأن الدماء، وقد ذكرنا صعوبة مثل هذه القضايا في الفقه الإسلامي .
(3) ــ تحفة : 1/ 194 - 195 .