تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٠١

العبادةُ تشمل بمفهومها الواسع كلَّ جوانب الحياة الروحيَّة والنفسيَّة والعقليَّة، أوَلم يربط الإسلام العبادةَ بالعمل اليومي؛ فالعاملُ الذي يخلص نيَّته لله هو في جهاد حتَّى يرجع، أوَلم يربط العبادة بطلب العلم، حتَّى غدا المِدَادُ في ثوب طالبِ العلم كالدَّم في ثوب المجاهد في سبيل الله، أوَلم يربط العبادة بالسعي في قضاء حوائج الناس، فأعلن أنَّ أحبَّ الخلق إلى الله أنفَعَهم لعيال الله، لماذا انحرف المسلمون عن هذا الفهم السامي؟ في حين نجدهم يردِّدون صباح مساء: ﴿(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا (((((((((((((﴾ (الذاريات: 56).

قد يحتجُّ بعض المتزمِّتين من ذوي الفهم السطحيِّ بهذه الآية على أنَّها دعوةٌ أو أمرٌ من الله - سبحانه وتعالى - إلى نبذِ الأمور الدنيويَّة جانبًا، والانصرافِ كلِّية وبصفةٍ مطلقة إلى العبادة، كما يرى بعض المتصوِّفة، وهي في حقيقة الأمر رهبنة حاربها الإسلام وأنكرها في نصوص كثيرة، فإنَّ الآية السابقة نفسَها تعارض هذا المفهوم السطحي الساذج، فإنَّ قوله تعالى: ﴿(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا (((((((((((((﴾ (الذاريات:56)، دلالة قاطعة على أنَّ العبادة المقصودة هنا ليست الشعائر المتعلِّقة بالصلاة والزكاة والصوم والحجِّ وما إلى ذلك، لأنَّ الله - سبحانه وتعالى - عن طريق رسوله حدَّد لها زماناً ومكاناً، وخصَّها بحالات معيَّنة يكون فيها المسلم حتىَّ يؤدِّيها على حقيقتها، إذ لو كان المقصود من الآية الشعائر الدينيَّة وحدها، لما تساءلنا، كيف تتماشى مع ما فيها من حصر واستثناء ? ومعناه استغراق الوجود الإنساني في العبادة كما بيَّنا فيما سبق، أين نُمضي الأوقات التي لم تكتب لنا فيها صلاة؟ ولم يُفرض علينا فيها صيام ولا حجٌّ، ولم يُطلب فيها منَّا ذكرٌ أو تسبيح؟ أليس تحديدُ الصلاة بوقت معيَّن، والصوم

١٠٠ / ٢٠٧