تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

ريب المجتمعُ المتماسكُ القائم على الرحمة، والعدالة، والألفة، والمحبة، ويُبنى على الاستقرار والطمأنينة. ولا قيام لحضارة راقيةٍ دون مجتمعٍ تسود فيه هذه الأخلاق العالية، كما أنَّ خلوَّ أيِّ مجتمع منها يؤدِّي حتما إلى الانهيار والفناء.

إنَّ هذه الآيات تدلُّ دلالةً واضحةً على العبادة الصحيحة، إذا طُبِّقت على الوجه الأكمل فإنَّ الإنسان يرقى في مستواه وفي تعامله مع الناس إلى أن يكون المؤمنَ الحقيقيَّ الذي يطلبه منه القرآن. لا شيء في حياة الإنسان يُخرجه من دائرة الأخلاق، لا سلوكُه ولا فكرُه ولا مشاعرُه ولا أي لونٍ من ألوان النشاط الآخر، سياسيًّا كان أو اجتماعيا أم اقتصاديًّا أم فنيًّا. فعندما نتأمَّل في الشعائر الدينية التي تعبَّدنا الله بها وأمرنا بالامتثال لها وتطبيقها، مثل الصلاة والصوم والزكاة والحجِّ، وهي أركانُ الإسلام كما لا يخفى، نلحظ كيف ترتبط بعامل الزمن أي أنَّها ترتبط كلُّها بأوقات محدودة وساعات معيَّنة، فالصلاة كانت على المومنين كتابًا موقوتا، فهي مطلوبةٌ من المسلم خمس مرَّات في اليوم والليلة، والصوم مرَّة كلَّ سنة، والزكاةُ كذلك إذا بلغت النصاب، والحجُّ مرَّة في العُمر لمن استطاع إليه سبيلاً، ونتساءل ما الحكمة في ذلك؟ أي ما الحكمة في ربط الشعائر الدينية بأوقات زمنيَّة معيَّنة محدودة؟.

إنَّ الله يُقيم العبادة على هذا الأساس المتراوح ما بين الفينة والأخرى، تذكيرًا بِصِلَة العبد بربِّه، وتقويةً لروح الاستقامة والطهارة في نفسه، وعودةً به إلى الطريق المستقيم، طريقِ الحقِّ والخير كلَّما تشابكت السُّبل أمامه، والله الذي خلق العباد أدرى بطبيعتهم الضعيفة، التي سرعان ما تنهار أمام إغواء الشيطان، ومغريات النفس البشرية، ﴿((((((((الْإِنْسَانُ ((((((((﴾ (النساء: 28)،

١٠٥ / ٢٠٧