تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٠٧ضعيفًا جسدًا، ضعيفًا روحًا، ضعيفًا عقلاً، ضعيفًا نفسًا.
إنَّ العبادة تُربِّي النفس الإنسانية على مقاومة ما فيها من ضَعف، والتغلُّب على ما فيها من شهوات، وتقويتها لا لتكون قوَّة بطش وطغيان، ولكن لتكون قوَّة ضبط واعتدال، وهذا هو السرُّ في قيام العبادات كلِّها على تنمية هذه الروح في نفوس المؤمنين من الضبط والاعتدال لخلق الله كلِّهم، لأنَّنا حين نتعمَّق معنى الصلاة نجد لها أبعادًا حضاريَّة واسعة تعودُ بالخير على الأمَّة، وعندما نحلِّل منافع الزكاة نجدها عبادةً يعودُ خيرها على المجتمع المسلم كلِّه، وعندما نغوصُ في الأبعاد الحضاريَّة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجدها أساسا قويًّا لبناء المجتمع الصالح القائم على الخير والفضيلة ..
إنَّ حرص الإسلام على بناء الأمَّة الخيِّرة هو الذي حدا به أبدًا إلى أن يدخل في مفهوم العبادة السلوك السويَّ، والتعامل المستقيم بين أفراد مجتمعاته.
ولم يُصَب المسلمون بالانحسار والتدهوُّر والهزيمة إلاَّ حين فصلوا بين العبادة معتبرين إياها شعائر تَعبُّديَّة وبين أخلاقهم وسلوكهم اليومي، والعجيبُ في الأمر أن تقوم لذلك مدارسُ وفلسفات تَسنِد هذا المفهوم الخاطئ، وهي مثابرةٌ في ذلك ولا شكّ، بأفكار دخيلة، إنَّ من المزايا الكبرى لهذا الدين قاعدتُه الأخلاقية العريضة الشاملة التي تشمل كلَّ أعمال الإنسان.
لننظر إلى الصلاة، أليست مرتبطةً بوقت محدَّد خمس مرَّات بين اليوم والليلة، بحيث يغدو أداؤها قبل دخول وقتها أو بعد خروج وقتها سيَّان، فالسابق مُفرِط، واللاَّحق مفرِّط، وفي هذا تربيةٌ للنفس على الانضباط بالمواعيد في أوقاتها المحدَّدة، أداؤُها في جماعة المسلمين في صفوفٍ متراصَّة متلاحمة