تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

استواءً لا يقبل الاعوجاج، وتلاحُمًا لا يقبل الخلل، وإكمالاً للصفِّ الأوَّل لا يكونُ مقبولاً معه الصفُّ الثاني إلاَّ بعد أن يكون مكتملاً الكمال النهائي؛ ألا يدلُّ كلُّ ذلك على تربية الإسلام للنفوس وتعويذها على النظام والاعتدال، لتغدو هذه الأخلاقُ العالية طبيعةً في حياتها اليومية؟ واشتراطُ القراءة وراء الإمام، والائتمام به فعلاً وتركًا، بحيثُ يُعتبر سَبْقُه بالقراءة أو الركوع أو السجود مُبطلاً للصلاة؛ ألا يدلُّ ذلك على روح التقيُّد بروح الجماعة والانضباط وراء الإمام حرصًا على التماسُك والتضامن والانقياد في سبيل الخير. ولحكمة جليلة أرادها الله ربط الصلاة ـ وهي عمودُ الدين ـ فهيَّأ لها بتشريعه الحكيم جوًّا من الإجلال والتعظيم، ومن الخشوع والرقَّة، ومن الجدِّ والرزانة، ومن الوقار والسكينة، ومن التعاون والاجتماع، ما لا يوجد له نظير لعبادةٍ أو نُسُك في دين آخر، ومن ذلك الآذان، والإقامة، والطهارة، والقِبلة، والوقت، والجماعة، ومتابعة الإمام في كل صغيرة وكبيرة(1).

هذه التشريعات كلُّها ترمي إلى أن تربِّي النفس المؤمنة لتكون في حياتها متصفة بكلِّ هذه المعاني التي تُعدُّ الصلاة تدريبًا لها وتثبيتًا، يقول الشيخ القرضاوي: «والمسجدُ يضمُّ أهل الحيِّ كلَّ يومٍ خمس مرَّات تتلاصق فيها الأبدان، وتتعارف فيها الوجوه، وتتصافح فيها الأيدي، وتتناجى فيها الألسن، وتتآلف فيها القلوب، ويلتقون على وحدة الغاية والوسيلة، وأي وحدة أبلغ وأعمق من وحدة المصلِّين جماعةً، يصلُّون خلف رجل واحدٍ هو الإمام،

(1) - محمد نبيل غنايم، (مرجع سابق)، ص: 85.

١٠٧ / ٢٠٧