تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١١٠

يفعلون في سائر الأيام الأخرى، بل لا تكتمل صلاتُهم إلاَّ بالخطبة يلقيها عليهم إمامُهم، يخاطب قلوبهم وعقولهم ويذكرهم بأمور دينهم ودنياهم.

وكذلك الشأنُ في صلاة العيدين، فالأصلُ فيها أن تكون في بَراحٍ واسعٍ في البريَّة ليجتمع المسلمون مرَّتين في السنة، وقد طَفِحَت قلوبُهم بالمسرَّة وعَلَت وجوهُهُم المرحمة، ولذلك تظهر شَوكَتُهم، ويَعلَمُ كَثرتَهُم عدوُّهم، ويستأنس بعضُهم ببعض. ولذلك استُحبَّ خروج الجميع حتىَّ الصبية والنساء وربَّات الخدور حتىَّ الحُيَّض ـ على أن يعتزلن المصلىَّ ـ وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حرصًا منه على تجسيد هذه المعاني، يُخالف في الطريق ذهابًا وإيابًا ليطَّلع أهلُ الطريقين على شوكة المسلمين.

إنَّ الصلاةَ جماعةً في مواسمها المختلفة تنشئُ الاتحاد والمحبَّة والإخاء بين المسلمين، وتجعل منهم كتلةً متراصَّة يحمل كلُّ فردٍ منها هذه المعاني والقيم الجليلة، وإنَّها المجالُ الذي يقف فيها الغنيُّ والفقيرُ والصغيرُ والكبيرُ في صفٍّ واحدٍ أمام ربٍّ واحد، يؤدُّون شعيرة واحدة، فلا شريف فيهم ولا دنيء، ولا رفيع ولا وضيع إلاَّ بالتقوى، فأيُّ تضامنٍ في أيِّ مجتمع أفضلُ من هذا التضامن الإسلاميِّ الذي يقومُ على أسُس من عبادة الله - عز وجل -، وينبعُ من صميم هذه الديانة وشعائِرِها، ويظهر بهذه الصورة المشرقة التي تربيِّ النفس وتُعدُّها لمهام الحياة على المستوى الفردي أو الجمعي.

١٠٩ / ٢٠٧