تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١١١

الإنسان بين المادية والروحية

في القرآن الكريم

من رحمة الله بنا أن رَضِيَ لنا الإسلام دينًا، وجعلنَا مسلمين، فإنَّ في الإسلام خصائصَ ومميِّزاتٍ لا تُوجد في الديانات السابقة مثل اليهوديَّة والنصرانيَّة، فإنَّنا حين ننظر في تلك الديانات اليوم نجدها إمَّا مُغرِقَةً في المادية كاليهودية، إمَّا مُوغلَةً في الروحانية كالنصرانية، وجاء الإسلامُ صالحا لكلِّ زمانٍ ومكان، ليوازن بين المادية والروحية، ويُعادل بين الدين والدنيا، ليصلح بذلك ما أفسده مُحرِّفو الديانات السابقة، لأنَّ الله لم يدْعُ قطُّ، لا إلى المادية اليهودية، ولا إلى الروحانية النصرانية. وحتىَّ نفهم رحمة الإسلام وعدلَهُ، وحتىَّ نقف عند خصائص هذا التوازن، نشيرُ إشارةً سريعةً إلى المادية والروحية.

عندما يقرأ المرء أسفارَ التوراة الخمسة الحاليَّة، لا يكادُ يجد للروحانية أثرًا، ولا يكاد يجد للآخرة مكانًا، حتىَّ الوعدُ والوعيد في هذه التوراة للمطيعين والعصاة، إنَّما يتعلَّقان بأمور دنيويَّة، وتكاد تستأثر بها النزعة المادية الخالصة، فالخصبُ والصحَّة والثراء وطولُ العمر والنصر على الأعداء ونحوها من المكاسب الدنيويَّة الخالصة، هي المثوباتُ العاجلةُ التي تبشِّر بها التوراة لمن نفَّذ تلك النواميسَ، وأضدادُ هذه الأمور من الجذبِ والمرضِ والموتِ والوباءِ والفقرِ والهزيمةِ ونحوها، هي عقابُ مَن يُعرضون عن شريعة التوراة(1) …

(1) 1 - د. يوسف القرضاوي، العبادة في الإسلام، ص: 181.

١١٠ / ٢٠٧