تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١١٢وإذا انتقلنا إلى الإنجيل، كتاب النصرانية المحرَّف، وجدناه دعوةً قويَّة إلى إلغاء قيمة هذه الدنيا، واعتبارِ هذه الأرض بمثابة المنفى للإنسان، وطلبِ النجاة والسعادة هناك في العالم الآخر، فمن أراد ملكوتَ السماءِ فليُعرض عن الأرض، ومن أراد الجزاءَ الأخرويَّ فعليه أن ينصرف كلِّية عن متاع الحياة الدنيا، فلا يطلب منها شيئًا، لا مالاً، ولا حياةً، ولا سعادةً، ولا رخاءً، بل عليه أن لا يملك من هذه الدنيا شيئًا، ولا يستمتع بطيِّباتها مهما تكن هذه الطيِّبات، فإن هو فعل شيئًا من ذلك حُرم من الجزاء الأخروي. وهذا موقفٌ يناقض موقف الماديَّة اليهوديَّة، كما أوضحنا، يقول الإنجيل: «لا يدخل غنيٌّ ملكوتَ السماواتِ حتىَّ يدخلَ الجملُ في سمِّ الخياط»، ويَرِدُ على لسان المسيح مخاطباً شابًا أراد الدخول في دينه: «إذا أردتَ أن تكون كاملاً، فاذهب ومعكَ ما تملِك، وأعطِه للفقراء ثمَّ تعال واتَّبعني». ولم تقف الدعوة إلى التقشُّف والتزهُّد وإهمال الحياة الأرضيَّة عند الحدِّ الذي جاء به الإنجيل، بل ابتدع أتباع النصرانية نظامَ الرهبانية، بما فيه من قسوة على النفس، وتحريم الزواج، وكبت الغرائز، ومصادرةِ كلِّ نزوع إلى الزينة وطيِّبات الرزق. وانتشر هذا النظام العاتي، وكَثُر اتباعه، فأصبح ممَّا يتعبَّدون به الله ويتقرَّبون به إليه، البُعدُ عن النظافة والتجمُّل، واعتبارُ العناية بالجسم ونظافتِهِ ونوازِعِه، رجسًا من عمل الشيطان(1)، وتحكي المصادرُ في هذا السبيل عَجَباً، من تعذيب الجسمِ وقهرِهِ، حتىَّ تطرَّف من تطرَّف منهم من قساوسة ورهابنة، فراحوا يعدُّون طهارة الجسم منافيةً لنقاء الروح، ويتأثَّمون من غسل الأعضاء، وبات
(1) 2 - المصدر السابق، ص: 180.