تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١١٣أزهدَ الناس عندهم وأتقاهم أبعدُهم عن النظافة والطهارة وأوغلهم في النجاسات والدَّنس، وكانوا يفرُّون من ظلِّ النساء، ويتأثَّمون من قُربهنَّ، والاجتماع بهنَّ، وكانوا يعتقدون أنَّ مصادفَتَهُنَّ في الطريق والتحدُّث إليهنَّ ولو كنَّ أمهات أو أزواج أو شقيقات تُحبط أعمالهم وجهودهم الروحيَّة، لأنَّ الشيطان في اعتقادهم يتَّخذ المرآة سكنًا.
هكذا كانت اليهودية متطرِّفة في المادية، التي تُغفل أشواقَ الروح والنظر إلى الجزاء الأخروي، وهكذا كانت النصرانية في تحقيرها للدنيا وتعذيبها للجسد وكلِّ متطلباته الطبيعيَّة.
جاء الإسلام رحمة للعالمين، دينًا لليُسر والتسامح، واستجابةً للطبيعة البشريَّة، ملبِّيا لنوازع الجسد وأشواقِ الروح في آن واحد، دون أن يشتطَّ في جانب من الجوانب، فكان من سمته التوازنُ في كلِّ الآفاق والنواحي، والاعتدال الذي يليق برسالة جاءت لكلِّ البشر، خاتمة لكلِّ الديانات، لتسع أقطار الأرض مكانًا، وتسع كلَّ الأعصر زمنًا، وتُشرِّع لجميع الناس مهما اختلفت طبائعهم وبيئاتهم وميولهم. فلم يطلب الإسلام من المسلم أن يكون راهبًا في دير، أو عابدًا في خلوة، ليله قائم ونهاره صائم، كلُّ صمته فكر، وكلُّ كلامِه ذِكر، لا حظَّ له في الحياة ولا حظَّ للحياة فيه(1) … لا لم يأمر الإسلام بذلك، وإنَّما خصائص الإسلام الوسطيَّةُ والاعتدالُ، كما جاء في القرآن الكريم: {(((((((((((جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى
(1) 1 - د. القرضاوي، المرجع السابق، ص: 185.